شُكْرُ الناس وحفظ جميلهم ومعروفهم، من محاسن الأخلاق والصفات، ومِنَ البر والوفاء أن يُقَدِّم الإنسانُ الشُكْرَ لِمَن صنع له معروفاً، وقد أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بشكر الناس على معروفهم، وجعل ذلك من شكر الله سبحانه، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ الله) رواه الترمذي وصححه الألباني. وقال صلى الله عليه وسلم: (أشْكَرُ الناسِ لله أشْكرُهُمْ للناس) رواه الطبراني وصححه الألباني.
قال المناوي: "(أشكر الناس لله) تعالى أي من أكثرهم شكراً له (أشكرهم للناس) لأنه سبحانه جعل للنعم وسائط منهم، وأوجب شكر من جعله سبباً لإفاضتها، كالأنبياء والصحابة والعلماء، فزيادة العبد في شكرهم زيادة في شكر ربه، إذ هو المُنْعِم بالحقيقة، فشكرهم شكره، ونعم الله منها بغير واسطة كأصل خلقته، ومنها بواسطة وهي ما على أيدي الناس فتتقيد بشكرهم ومكافأتهم ففي الحقيقة قد شكر المنعم بإيجاد أصل النعمة ثم بتسخير الوسائط".
قال الصنعاني: "ومعنى الحديث: أن مَنْ ترك شكر مَنْ أحسن إليه، فإنه قد ترك شكر الله، وذلك لأن الله قد أمره بشكر من أحسن إليه، فإذا لم يشكره فلم يمتثل أمر الله، ومن لم يمتثل أمره تعالى فقد ترك شكر الله، إذْ مِنْ شكره امتثال أمره، ويُحْتمَل أن يراد أن من ترك شكر من أحسن إليه من العباد ترك شكر الله، لأنه بشكره العباد شكر لله حيث سخرهم للإحسان إليه".
وقال ابن الأثير: "معناه إن الله تعالى لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه، إذا كان العبدُ لا يشكر إحسان الناس ويكفر أمرهم، لاتصال أحد الأمرين بالآخر. وقيل معناه: أن مَنْ كان مِنْ عادته وطبعه كفران نعمة الناس وترك شكره لهم، كان من عادته كفر نعمة الله عز وجل وترك الشكر له. وقيل: إن من لا يشكر الناس كان كمن لا يشكر الله عز وجل وإن شكره".
وقال الطيبي: "هذا لأن شكره تعالي إنما يتم بمطاوعته وامتثال أمره، وإن مما أمر به شكر الناس الذين هم وسائط في إيصال نعم الله إليه، فمن لم يطاوعه فيه لم يكن مؤدياً شكر أنعمه، أو لأن من أخل بشكر من أسدى إليه نعمة من الناس، مع ما يرى من حرصه علي حب الثناء والشكر علي النعماء، وتأذيه بالإعراض والكفران، كان أوْلى بأن يتهاون في شكر من يستوي عنده الشكر والكفران".
من صور المكافأة والشكر لمن أحسن إلينا :
شُكْرَ من صنع معروفاً وأحسن إلينا، يكون بشكره، والثناء عليه، والدعاء له، وهذا أقل ما نقدمه جزاء وشكراً له على معروفه، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ومَن أتى إليكُم معروفًا فَكافئوه، فإن لم تجِدوا فادعوا له حتَّى تعلَموا أن قد كافأتُموه) رواه النسائي وصححه الألباني. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أُعْطيَ عطاءً فوجد فليَجْزِ بِه، ومن لم يَجِدْ فليُثنِ، فإنَّ مَن أثنى فقَد شَكر، ومَن كتمَ فقد كفر) رواه الترمذي وحسنه الألباني.
وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه المهاجرين شكر من أحسن إليهم من الأنصار بالثناء عليهم والدعاء لهم، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن المهاجرين قالوا: (يا رسول الله، ذهبت الأنصار بالأجر كله، قال: لا، ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم) رواه الترمذي وصححه الألباني. وفي رواية أخرى قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (أليس تثنون عليهم به، وتدعون لهم، قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك). وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صُنِعَ إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء) رواه الترمذي وصححه الألباني.
قال ابن عثيمين في شرح رياض الصالحين: "إذا صنع إليك إنسان معروفاً بمال، أو مساعدة، أو علم، أو غير ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن تكافئ صانع المعروف فقال: (من صنع إليكم معروفا فكافئوه)، والمكافأة تكون بحسب الحال، من الناس من تكون مكافأته أن تعطيه مثل ما أعطاك أو أكثر، ومن الناس من تكون مكافأته أن تدعو له ولا يرضى أن تكافئه بمال، فإن الإنسان الكبير الذي عنده أموال كثيرة وله جاه وشرف في قومه إذا أهدى إليك شيئاً فأعطيته مثل ما أهدى إليك رأى في ذلك قصوراً في حقه، لكن مثل هذا ادع الله له، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه، ومن ذلك أن تقول له: جزاك الله خيرا إذا أعطاك شيئا أو نفعك بشيء، فقل له: جزاك الله خيرا فقد أبلغت في الثناء، وذلك لأن الله تعالى إذا جزاه خيراً كان ذلك سعادة له في الدنيا والآخرة".
فائدة :
قال السفيري الشافعي: "وهنا سؤال وهو أن يقال: إذا كان المُنْعِمُ بالحقيقة هو الله، وأن النعمة التي صدرت من العبد إنما هي مِن الله أجراها على يد العبد، فلأي شيء يستحق العبد شكر هذه النعمة، كما ورد في سنن أبي داود عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يشكر الله من لا يشكر الناس)، وفي الترمذي: (من لا يشكر الناس لا يشكر الله)، لفظ آخر: (من لم يشكر الناس لم يشكر الله).. فهذه الأحاديث تدل على استحقاق العبد الشكر عن صدور النعمة منه؟! ... فالجواب: أن الشارع (المُشَرِّع) صلى الله عليه وسلم إنما حث على شكرك إياه لا لكون النعمة صدرت منه، بل لكونها جرت على يده، فإذا شكرته عليها حمله ذلك الشكر على أن يزيد من فعل الخير، والمُنْعِم بالحقيقة هو الله، فإذا شكرت عبداً لكونه أحسن إليك في الدنيا، فإن شكره لكون الشارع صلى الله عليه وسلم أمر بذلك، لا لاعتقاد أنه فاعل ذلك، فإن شكرته معتقداً أن النعمة صدرت منه كنتَ مشركاً لا شاكراً، فإن العبد لا ينفع ولا يضر، وربما تغير عليك، وانقلب حبه غضباً بأيسر الأسباب، والمُحْسِنُ على الدوام الذي لا يتغير ولا يحول ولا يزول رب الأرباب".
النبي صلى الله عليه وسلم وحفظ الجميل والمعروف للناس :
ما مِنْ خُلُقٍ عظيم أو صفة طيبة تُحْمد إلا ولنبينا صلوات الله وسلامه عليه منها أحسنها، ومن كمال خُلقه وعظيم وفائه صلى الله عليه وسلم أنه لم ينس مَنْ وقف معه يناصره، أو من صنع له معروفا .. فلم ينس صلى الله عليه وسل زوجته خديجة رضي الله عنها، التي واسته ووقفت بجواره بنفسها ومالها, فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها، فذكرها يوما من الأيام، فأخذتني الغيرة، فقلت: هل كانت إلا عجوزاً قد أبدلك الله خيرا منها، فغضب ثم قال: والله ما أبدلني خيرا منها، آمنت بي إذ كفر الناس، وصدّقتني إذ كذّبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد دون غيرها، قالت عائشة: فقلت في نفسي: لا أذكرها بعدها بسبة أبدا) رواه أحمد.
ولم ينس صلى الله عليه وسلم فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وما أنفقه في سبيل الله عز وجل، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما نفَعَنا مالُ أحدٍ، ما نفعَنا مالُ أبِي بكرٍ، فبكى أبو بكرٍ وقال: وهل نفعَني اللهُ إلا بك؟ وهل نفعَني اللهُ إلا بك؟ وهل نفعَني اللهُ إلا بك؟) رواه الترمذي وصححه الألباني.
بل لم ينس النبي صلى الله عليه وسلم من صنع له معروفاً ولو كان كافراً، فأبو البختري الذي كان في صف المشركين يوم بدر، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله، وقال: (ومن لقي أبا الْبَخْتَرِيِّ بن هشام فلا يقتله)، ذكره البيهقي في دلائل النبوة، ثم أورد قول ابن إسحاق: "وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أبي البختري لأنه كان أكفَّ القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة وكان لا يؤذيه، ولا يبلغه عنه شيء يكرهه".
والمُطعِم بن عديّ الذي أجار النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، بالرغم من أنه مات كافرا، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم ظل حافظاً لجميله، ففي غزوة بدر، التي أسَرَ المسلمون فيها سبعين من المشركين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني (طلب الشفاعة) في هؤلاء النتنى لتركتهم له) رواه البخاري، قال ابن حجر: "بأنَّ ذلك مكافأة له على يدٍ كانت له عند النبي صلى الله عليه وسلم، وهي إما ما وقع من المطعم حين رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف ودخل في جوار المطعم بن عدي، أو كونه من أشدِّ من قام في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم ومن معهم من المسلمين حين حصروهم في الشِعْب".
شُكْرُ الناس على معروفهم وإحسانهم خُلُق حَسن ينبع من خُلُق الوفاء، وقد علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن المسلم لا يكون شاكراً لله عز وجل حتى يشكر من أحسن إليه، فمن أُحْسِنَ إليه وصُنِعَ له معروف ولم يقم بشكر من أحسن إليه فهو في الحقيقة لم يقم بشكر الله عز وجل كما ينبغي أن يشكره، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يشكرِ الناسَ لم يشكر الله).
المقالات

