من الأمور التي تتعلق بعقيدة المسلم بالموت واليوم الآخر؛ ما يكون بعد موته من ثواب وعقاب، وما يتفرع عن ذلك من مسائل مثل مسألة انتفاع الميت بشيء من عمل غيره من الأحياء مما يوهب أو يهدى له، فترفع به درجاته وتزداد حسناته، أو يخفف عنه العذاب وتمحى به سيئاته. وهذه المسألة محل خلاف بين العلماء، وفي هذا المقال نبين مذهب الحنابلة وغيرهم ممن قال بجواز أن يهدى ثواب الأعمال للميت، وأنه ينتفع بعمل غيره من الأحياء.
ذكر ابن القيم أن إجماع الأمة قد انعقد على أن الميت ينتفع من عمل الأحياء بأمرين لا خلاف فيهما وهما:
الأول: ما تسبب الميت به في حياته ينتفع به بعد مماته أيضًا، دلَّ على هذا قوله صلى الله عليه وسلم:(إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم. وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علمًا نشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقةً أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلحقه من بعد موته) رواه ابن ماجه. وغيرها من الأحاديث التي تدل على أن ما تسبب به المسلم في حياته ينفعه بعد مماته.
الثاني: دعاء المسلمين له واستغفارهم له، وكذا الصدقة والصوم والحج، دل على ذلك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10]، قال ابن القيم: "فأثنى الله سبحانه عليهم باستغفارهم للمؤمنين قبلهم؛ فدل على انتفاعهم باستغفار الأحياء". ومثل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:(إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) رواه ابن ماجه. وروى مسلم في صحيحه عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة، فحفظت من دعائه وهو يقول: (اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، أو من عذاب النار قال: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت). وغير ذلك من الأحاديث كثير كلها تدل على أن الدعاء والاستغفار للميت مما ينتفع به الميت ولا شك، وهو شيء ليس من عمله.
وأما غير ذلك من عمل الأحياء وإهداء ثوابه للأموات كالصلاة والذكر وقراءة القرآن وغيرها من العبادات، فهو الذي كان محل خلاف الفقهاء، فذهب الحنابلة وغيرهم إلى جواز ذلك، وأنه يصل للميت وينتفع به أيضًا، ولهم على ذلك أدلة كثيرة سبق ذكر بعضها، وهذه جملة منها أيضًا.
عن سعد بن عبادة، أنه قال: (يا رسول الله، إن أم سعد ماتت، فأي الصدقة أفضل؟ قال: "الماء" قال: فحفر بئرًا، وقال: هذه لأم سعد» رواه أبو داود وأحمد. وعن أبي هريرة، أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبي مات وترك مالا، ولم يوص، فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: نعم) رواه مسلم.
وروى البخاري ومسلم في صحيحهما عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(من مات وعليه صيام صام عنه وليه) . وروى البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى).
ورى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن امرأة من جهينة، جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: (إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضية؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء).
هذه الأحاديث كلها تدل على أن الميت ينتفع بثواب الأعمال إذا فعلها عنه الحي، وهي تجمع من أنواع العبادة المالية، الصدقة، والبدنية الصوم، والمالية والبدنية الحج. وبالقياس عليها قال ابن القيم: "وقد نبه الشارع بوصول ثواب الصدقة على وصول ثواب سائر العبادات المالية، ونبه بوصول ثواب الصوم على وصول ثواب سائر العبادات البدنية، وأخبر بوصول ثواب الحج المركب من المالية والبدنية، فالأنواع الثلاثة ثابتة بالنص والاعتبار وبالله التوفيق".
وقد أجمع أهل العلم: أن الإنسان إذا أبرأ غيره من حقه المالي فإنه يصح ذلك منه، وينتفع به الغير. قال ابن القيم: "فسقوطه من ذمة الميت بالإبراء حيث لا يتمكن من أدائه أولى وأحرى، وإذا انتفع بالإبراء والإسقاط فكذلك ينتفع بالهبة والإهداء، ولا فرق بينهما، فإن ثواب العمل حق المهدي الواهب، فإذا جعله للميت انتقل إليه، كما أن ما على الميت من الحقوق من الدين وغيره هو محض حق الحي، فإذا أبرأه وصل الإبراء إليه، وسقط من ذمته، فكلاهما حق للحي، فأي نص أو قياس أو قاعدة من قواعد الشرع يوجب وصول أحدهما ويمنع وصول الآخر!".
كانت هذه النصوص والقياس عليها من أبرز أدلة القائلين بجواز إهداء ثواب الأعمال للأموات، وأن الميت بعد موته يصله ثواب ذلك وينتفع به إن شاء الله.
المقالات

