الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، وهي أعظم الأركان بعد الشهادتين، ولها في الدين مكان رفيع، ومقام عظيم، وقد عظم النبي من شأنها ونوه بمكانها، وجعل تركها علامة من علامات النفاق، وسمى تاركها كافرا، كما في حديث (العهدُ الذي بينَنا وبينَهم الصلاةُ، فمَن تركَها فقد كفرَ)[أحمد وأصحاب السنن]... و"كان أصحابُ محمَّدٍ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ لا يرونَ شيئًا من الأعمالِ تركُه كفرٌ، غيرَ الصَّلاةِ"[رواه الترمذي وغيره]، يعني تركها كسلا..
ومنافع الصلاة على صاحبها لا تكاد تحصى، على قلبه ونفسه ودينه ودنياه وأهله وولده وزوجه وماله وحياته كلها، بما تنشر حوله من البركات، وتفتح أمامه من أبواب التوفيق والخيرات، وما يزال المؤمن يهتم بها، ويعتني بإقامتها على وجهها، ويجتهد في تحسينها حتى تكون قرة عين له، كما كانت قرة عين لحبيبه ورسوله صلى الله عليه وسلم كما قال: (وجُعِلَتْ قرةُ عيني في الصلاةِ)[أخرجه أحمد والنسائي]، وحتى تصبح المفزع الذي يفزع إليه إذا حزبه أمر (كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا حزَبَه أمْرٌ، فَزِعَ إلى الصَّلاةِ)[أحمد وأبو دواد]، والملجأ الذي يلتجئ إليه ليلقي عن أكتافه هموم الحياة ومتاعبها، فما يخرج منها حتى يجد في نفسه وجسده الراحة، وفي قلبه الطمأنينة، وفي نفسه السكينة (يا بِلالُ، أقِمِ الصَّلاةَ، أَرِحْنا بها).
يقول ابن القيم رحمه الله: "الصلاة قرة عين المحبين، ولذة أرواح الموحدين، ومحك أحوال الصادقين، وميزان أحوال السالكين، وهي رحمة الله المهداة إلى عبيده، هداهم إليها، وعرفهم بها، رحمة بهم، وإكراما لهم؛ لينالوا بها شرف كرامته والفوز بقربه... إلخ"[كتاب ذوق الصلاة:9].
المشاهد الستة في الصلاة
وحتى تكون الصلاة قرةَ لعين صاحبها، وراحةً لقلب فاعلها، وسكينةً في نفس مقيمها، لابد أن يشهد فيها مشاهدَ ستة، ذكرها ابن القيم في رسالة بعث بها لأحد إخوانه "أسوقها هنا بتصرف يسير":
المشهد الأول: مشهد الإخلاص
وهو أن يكون الحاملُ عليها والداعي إليها رغبة العبد في الله، ومحبته له، وطلب مرضاته، والقرب منه، والتودد إليه، وامتثال أمره، بحيث لا يكون الباعثُ عليها حظًّا من حظوظ الدنيا البتة، بل يأتي بها ابتغاء وجه ربه الأعلى، محبة له، وخوفا من عذابه، ورجاء لمغفرته وثوابه.
المشهد الثاني: مشهد الصدق والنصح
وهو أن يفرغ قلبه لله فيها، ويستفرغ جهده في إقباله على ربه، وجمع قلبه عليها وعليه، وإيقاعها على أحسن الوجوه وأكملها ظاهرا وباطنا، فإن الصلاة لها ظاهر وباطن، فظاهرها: الأفعال المشاهدة والأقوال المسموعة، وباطنها: الخشوع والمراقبة وتفريغ القلب لله، والإقبال بكليته على الله فيها، بحيث لا يلتفت قلبه عنه إلى غيره، فهذا بمنزلة الروح لها، والأفعال بمنزلة البدن، فإذا خلت من ذلك كانت كبدن لا روح فيه، تُلَفُّ كما يلفُّ الثوبُ الخلق ويُضرب بها وجهُ صاحبها، وتقول: ضيعك الله كما ضيعتني! وأما الصلاة التي كمل ظاهرها وباطنها فإنها تصعد إلى الله ولها نور وبرهان كنور الشمس، حتى تعرض عليه سبحانه فيرضاها ويقبلها، وتقول: حفظك الله كما حفظتني!
المشهد الثالث: مشهد المتابعة والاقتداء
وهو أن يحرص كل الحرص على الاقتداء في صلاته بالنبي - صلى الله عليه وسلم-، طاعة لأمره (صلُّوا كما رَأَيْتُموني أُصلِّي)[متفق عليه]، فيتبع هدي نبيه فيها، ويعرض عما أحدث الناس في الصلاة من الزيادة والنقصان، والأوضاع التي لم ينقل عنه - صلى الله عليه وسلم- شيء منها.
المشهد الرابع: مشهد الإحسان
وهو مشهد المراقبة، وهو أن يقوم فيها لله كأنه يراه، وهذا المشهد إنما ينشأ من كمال الإيمان بالله وأسمائه وصفاته، كالعليم والسميع البصير، واللطيف الخبير، والرقيب والحسيب، وأشباهها، حتى كأنه يرى الله سبحانه فوق سمواته، مستويا على عرشه ينظر إليه في صلاته، عالم بسره، مطلع على قلبه، لا تخفى عليه خواطره، ولا أفكاره، فيشهد ذلك كله بقلبه، ويشهد حيا قيوما سميعا بصيرا يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فيستحي من الله أن يراه مدبرا عنه بقلبه، أو ملتفتا عنه بنظره أو بفكره، أو منشغلا عنه بأمور دنياه ونفسه وأهله، يخشى أن يلتفت عن الله فيلتفت الله عنه، كما في الحديث: (إنَّ اللَّهَ ينصِبُ وجهَهُ لوجهِ عبدِهِ في صلاتِهِ ما لَم يلتفِتْ)رواه أحمد.
فمشهد الإحسان أصل أعمال القلوب كلها، فإنه يوجب الحياء والإجلال والتعظيم والخشية والمحبة والإنابة والتوكل والخضوع لله سبحانه والذل له، ويقطع الوسواس وحديث النفس، ويجمع القلب والهم على الله.
فحظ العبد من القرب من الله والتلذذ بالصلاة على قدر حظه من مقام الإحسان، وبحسبه تتفاوت الصلاة، حتى يكون بين صلاة الرجلين من الفضل كما بين السماء والأرض، وقيامهما وركوعهما وسجودهما واحد!
المشهد الخامس: مشهد المنة
وهو أن يشهد منة الله عليه كونه أقامه في هذا المقام وأهَّلَه له، ووفقه لقيام قلبه وبدنه في خدمته، فلولا الله -سبحانه- لم يكن شيء من ذلك، كما كان الصحابة يحدون وينشدون والنبي صلى الله عليه وسلم معهم: (والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا). قال الله تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}[الحجرات:17].
فالمنة لله وحده في أن جعل عبده قائما بطاعته، قال تعالى: {وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8)}[الحجرات].
وهذا المشهد من أعظم المشاهد وأنفعها للعبد، وكلما كان العبد أعظم توحيدا - كان حظه من هذا المشهد أتم.
ومن فوائد هذا المشهد ـ أعني مشهد المنةـ: أنه يحول بين القلب وبين العُجب بالعمل ورؤيتِه؛ فإنه إذا شهد أن الله سبحانه هو المنان الموفق له الهادي، شغله شهود ذلك عن رؤيته والإعجاب به.
المشهد السادس: مشهد التقصير
وأن العبد مهما اجتهد في القيام بالأمر غاية الاجتهاد، وبذل وسعَه في إتمامه وإكماله، وإيفائه حقَّه، فهو مقصر، وحق الله سبحانه عليه أعظم، والذي ينبغي له أن يقابَلَ به من الطاعة والعبودية والخدمة فوق ذلك بكثير، وأن عظمته وجلاله -سبحانه ـ يقتضي من العبودية ما يليق بها، {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِه}[الحج:74].. فكل عمل مهما بلغ من الكمال لا يليق بذي الجمال والجلال، فكيف وفيه من القصور والنقص ما فيه!!.. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم أخشع الناس وأخلصهم وأتمهم عملا وأكملهم، ومع ذلك كان إذا فرغ من صلاته قال: (أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله)، وهذا هو عين العلم، محاولة كمال العمل، مع رؤية النقص والتقصير، والقصور عن بلوغ مقام الله وقدره وحقه.
فمن حقق هذه المقامات، وشهد هذه المشاهد الستة، انتفع بصلاته، ووجد حلاوتها، وتلذذ بها، وانتفع بها في الدنيا وفي الآخرة، وكانت صلاته قرة عين له، وراحة له، وملجأ ومفزعا، وكان وقوفه بين يدي الله أحب شيء إلى قلبه.
المقالات

