الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:
مِن أعظم ما يخطئ فيه بعض الناس الظن أن طريق الدنيا غير طريق الآخرة، وأن السعي للرزق يناقض العبادة، بينما الحقيقة أن المؤمن يسلك طريقاً واحداً يبتغي فيه وجه الله، سواء كان في مسجده أو في متجره، فالدنيا مزرعة الآخرة، والعمل فيها إذا ضُبط بالشرع صار عبادةً وقربةً، ونبينا صلى الله عليه وسلم بين لنا هذا المعنى فقال: (إنَّما الدُّنْيا لأربعةِ نفَرٍ: عبدٍ رزَقَهُ اللَّهُ مالًا وعِلمًا، فهُوَ يتَّقي فيهِ ربَّهُ، ويَصِلُ رَحِمَهُ، ويعلَمُ فيهِ للَّهِ حقًّا، فهَذا بأفضلِ المنازلِ) رواه الترمذي.
وقد أمرنا الله تعالى بالسعي في الأرض وطلب الرزق، كما أمرنا بالمسارعة إلى طاعته وابتغاء مرضاته، ليعلّمنا أن طريق الدنيا والآخرة ليسا طريقين متعارضين، بل هو طريق واحد يسلكه المؤمن وهو ينظر إلى الآخرة من خلال عمله في الدنيا..
غير أن البعض وقع في خطأٍ في الفهم والتصور، فظن أن الكسب والعمل يناقض العبادة والدين، أو غلّب جانب الدنيا على جانب الآخرة، أو انشغل بالمحرمات التي تصرفه عن طاعة الله، وهؤلاء جميعاً بحاجة إلى تصحيح فهمهم وميزانهم، ليعلموا أن العمل للدنيا إذا كان في حدود الشرع فهو عمل للآخرة، وأن الانشغال بالفاني عن الباقي خسارة عظيمة..
ومن هنا نريد أن نقف وقفة سريعة مع النظرة الشرعية للتوفيق بين العمل والسعي للدنيا والآخرة..
عباد الله: لقد وضع القرآن الكريم منهجاً واضحاً في الجمع بين الدنيا والآخرة، فقال الله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}(القصص:77)..
فالمؤمن مأمور أن يجعل ما رزقه الله وسيلةً للتقرب إليه بالطاعات والقربات، لينال ثواب الدنيا والآخرة معاً، وفي الوقت نفسه، لا يُغفل نصيبه من المباحات التي أذن الله بها من مأكل ومشرب وملبس ومسكن ووزواج، فلكل حقه في الإسلام: لله حق، وللنفس حق، وللأهل حق، وللضيف حق، والمؤمن مأمور أن يعطي كل ذي حق حقه، وقد قال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنه: (قُمْ ونَمْ، وصُمْ وأَفْطِرْ، فإنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) رواه البخاري. ولما قال سلمان ناصحا أبا الدرداء رضي الله عنهما: (إنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فأعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ)، قال صلى الله عليه وسلم: (صدق سلمان) رواه البخاري.
ولذلك كان عبد الله بن عمرو رضي الله عنه يقول: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا". أي اجمع بين السعي المشروع في الدنيا وبين الاستعداد للآخرة، فلا تنس نصيبك من الحلال، فهو زادك في الدنيا، ولا تغفل عن نصيبك من العمل الصالح، فهو زادك في الآخرة..
ومن هنا يتبين أن العمل الدنيوي والكسب ليس مجرد شأن دنيوي بحت، بل هو عبادة إذا قصد به المسلم وجه الله، سواء كان سعياً على نفسه ليعفها، أو على والديه الكبيرين، أو على أولاده الصغار، فهو في سبيل الله، كما جاء في الحديث الذي رواه كعب بن عُجْرَة رضي الله عنه بقوله: (مرَّ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رجلٌ فرأَى أصحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من جلَدِه ونشاطِه فقالوا يا رسولَ اللهِ! لو كان هذا في سبيلِ اللهِ؟! فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إن كان خرج يسعَى على ولدِه صِغارًا فهو في سبيلِ اللهِ، وإن كان خرج يسعَى على أبوَيْن شيخَيْن كبيرَيْن فهو في سبيلِ اللهِ، وإن كان خرج يسعَى على نفسِه يعفُّها فهو في سبيلِ اللهِ، وإن كان خرج يسعَى رياءً ومُفاخَرةً فهو في سبيلِ الشَّيطانِ) رواه الطبراني.
فالسعي على الرزق وتحصيل المال لإنفاقه على النفس والأهل، وسد الحاجة مطلبٌ شرعي، وليس قضيةً دنيويةً، بل هو بالنية الطيبة الصالحة عبادة لله عز وجل..
بل إن أبسط الأعمال الدنيوية قد تتحول إلى صدقة جارية إذا صلحت النية، كما في حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما مِن مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ منه طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كانَ له به صَدَقَةٌ) رواه البخاري. فالغرس والزرع وإن كانا من أعمال الدنيا، إلا أن ثوابهما يستمر حتى بعد موت صاحبه، ما دام الناس والدواب ينتفعون به..
ومن الأمثلة الرائعة على اتصال الدنيا بالآخرة، قصة الرجل الذي سمع صوتاً في السحابة يقول: "اسق حديقة فلان، فلما تتبع الماء وجد رجلاً في بستانه، فسأله عن شأنه، فقال: "إني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثاً، وأرد فيها ثلثه" رواه مسلم، فبصلاح نيته في عمله الدنيوي وصدقاته بلغ منزلة عظيمة عند الله حتى خصه بهذه الكرامة..
ولنا مثال آخر في التجارة في الحج، هذا الركن العظيم من أركان الإسلام، لم يمنع الإسلام التجارة فيه، بل أباحها رحمةً بالناس وتيسيراً لهم، فقال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ}(البقرة:198)، فالحاج يسير في نُسكه وعبادته، ويجوز له أن يبيع ويشتري، ما دام لا يلهيه ذلك عن العبادة، وذلك ليعلم الناس أن هذا الدين دين واقعي يلبي حاجاتهم، ويراعي مصالحهم، ويجمع بين العبادة والكسب، والدنيا والآخرة، وأن من ابتغى بعمله وجه الله أُجِر عليه ولو كان عملاً دنيوياً..
أيها المؤمنون: لقد جمع الصحابة رضوان الله عليهم بين العمل للدنيا والسعي للآخرة، فكانوا يزرعون ويتاجرون ويجاهدون، ثم إذا جاء وقت الصلاة تركوا كل شيء وأدوا حق الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يعجَبُ ربُّكَ من راعي غنمٍ، في رأسِ الجبلِ يؤذِّنُ بالصَّلاةِ ويصلِّي فيقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ انظروا إلى عبدي هذا يؤذِّنُ ويقيمُ الصَّلاةَ يخافُ منِّي قد غَفرتُ لعَبدي وأدخلتُهُ الجنَّةَ) رواه النسائي. فالعمل الدنيوي مطلوب ومستمر، لكن إذا جاء وقت الصلاة فلا عذر في تركها، ولو كان الإنسان وحيداً في فلاة من الأرض..
وكذلك المؤمن في دراسته أو تجارته أو وظيفته أو بيته، يجتهد ويكدّ ويؤدي المطلوب منه، لكن إذا قال: "المذاكرة أهم من الصلاة" أو "العمل أوْلى من العبادة"، فقد خسر آخرته من أجل دنياه.. ومن صور ذلك أيضا: من يترك الجمعة لأجل البيع والشراء، أو من يؤخر الصلاة حتى يضيع وقتها بحجة الانشغال بالوظيفة أو التجارة، أو يلهيه المال والأولاد عن طاعة الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كانتِ الآخرةُ هَمَّهُ جعلَ اللَّهُ غناهُ في قلبِهِ وجمعَ لَه شملَهُ وأتتهُ الدُّنيا وَهيَ راغمةٌ ، ومن كانتِ الدُّنيا همَّهُ جعلَ اللَّهُ فقرَهُ بينَ عينيهِ وفرَّقَ عليهِ شملَهُ، ولم يأتِهِ منَ الدُّنيا إلَّا ما قُدِّرَ لَهُ) رواه الترمذي.. فالاشتغالُ بالآخرةِ دارِ القَرارِ سببُ السَّعادةِ والفوزِ بنَعيمِ اللهِ، ولا يَنقُص من الرِّزق شَيئًا، والاشتِغالُ بالدُّنيا الفانيةِ وإضاعة الآخرة يُورِثُ الهُمومَ ويُفرِّقُ الشَّملَ ولا يَزيدُ من الرِّزقِ شيئًا..
والمؤمن يجمع بين السعي المشروع في الدنيا وبين الاستعداد للآخرة، فلا ينشغل بواحدة عن الأخرى، بل يعطي كل ذي حق حقه، ولا تعارض بين السعي للدنيا والآخرة، بل هما طريقان متكاملان، فالدنيا مزرعة الآخرة، والعمل فيها إذا قُصد به وجه الله صار عبادة، والآخرة هي الغاية والمآل، فمن جمع بينهما سعد في الدارين، ومن ضيّع الآخرة لأجل الدنيا شقي فيهما. فاعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله..
أما بعد، عباد الله:
لقد حث الإسلام على السعي والعمل، وذم البطالة والكسل، فالمؤمن العاقل لا ينغمس في الدنيا بالكلية ولا يتركها بالبطالة، بل يسلك طريق الاعتدال والوسطية، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يعملون ويتاجرون، ومع ذلك لم تشغلهم الدنيا عن الآخرة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لَأَنْ يَحْتَطِبَ أحَدُكُمْ حُزْمَةً علَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ له مِن أنْ يَسْأَلَ أحَدًا، فيُعْطِيَهُ أوْ يَمْنَعَ) رواه البخاري.
واعلموا رحمكم الله: أن السعي والعمل له ضوابط شرعية تحفظ التوازن بين الدنيا والآخرة، ومن أهمها:
ـ أن يكون العمل مباحاً، فلا يجوز الكسب من الحرام، قال الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}(البقرة:275).
ومنها: ألا تُشغل الدنيا عن طاعة الله والصلاة، وقد رأى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قوماً من أهل السوق أقيمت الصلاة فأغلقوا محلاتهم ودخلوا المسجد، فقال: "هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ}(النور:37)"، فكانوا يعملون ويبيعون ويشترون، فإذا سمعوا نداء الصلاة خفضوا ميزانهم وأقبلوا إلى الصلاة، وإذا رفع أحدهم المطرقة فأذن المؤذن ألقاها خلف ظهره ولم يطرق بها، وكأن الدنيا كلها قد توقفت عند نداء الحق، وعلى ذلك تقاس الأمور كلها، فوازن بين عملك ودنياك، وبين أمر الله وحقوقه، فلا تجعل الدنيا تغلب الآخرة، ولا تترك الآخرة بحجة الدنيا، بل اجمع بينهما كما جمع أولئك الرجال الذين مدحهم الله بقوله: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ}(النور:37)، فمن وفقه الله لهذا الميزان فقد جمع بين خير الدنيا والآخرة"..
ومن الضوابط كذلك: حسن النية والقصد، بأن يقصد المسلم بعمله إعفاف نفسه وأهله، وصلة رحمه، ونفع المسلمين، وابتغاء الأجر من الله.
ومن الضوابط أيضاً: عدم الإسراف في طلب الدنيا، فهي وسيلة وليست غاية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس) رواه ابن ماجه.
فإذا قصدنا بسعينا وعملنا ومهنتنا وجه الله، والتزمنا بهذه الضوابط، جمع الله لنا بين خيري الدنيا والآخرة، وسعدنا في الدارين، فالدنيا مزرعة الآخرة، ولا تعارض بين السعي فيهما، بل هما طريقان متكاملان، من وفقه الله للجمع بينهما فقد فاز فوزا عظيما..
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56)..
المقالات

