الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الإيمان باليوم الآخر وأثره في محاسبة النفس

الإيمان باليوم الآخر وأثره في محاسبة النفس

 الإيمان باليوم الآخر وأثره في محاسبة النفس

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي خلق الخلق ليعبدوه، وأمرهم أن يتزودوا ليوم المعاد، وجعل الإيمان باليوم الآخر ركنًا من أركان الإيمان، به تستقيم القلوب، وتتهذب النفوس، وتصلح الأعمال، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إليه المرجع والمآب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ذكّر أمته باليوم الآخر، وربط قلوبهم بالحساب والجزاء، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].

أما بعد،
عباد الله: إن الإيمان باليوم الآخر ليس مجرد اعتقادٍ ذهنيٍّ يُردَّد باللسان، ولا فكرةً تُحفظ في الأذهان، بل هو يقينٌ حيٌّ يسري في القلب فيغيّر السلوك، ويقوّم النفس، ويضبط الشهوات، ويردع العبد عن المعاصي. فالمؤمن إذا استحضر أنه سيقف يومًا بين يدي الله للحساب، وأن أعماله كلها مكتوبة عليه لا يغادر منها صغيرةً ولا كبيرة، صار أشدّ مراقبةً لنفسه، وأبعد عن التهاون في الطاعة أو الوقوع في المعصية، ولذلك ربط الله تعالى بين رجاء لقائه والعمل الصالح فقال سبحانه: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا} [الكهف: 110]. وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أثر استحضار الآخرة في صلاح القلب فقال: (أكثروا ذكر هادم اللذات: الموت) رواه الترمذي. لأن من أكثر من ذكر الموت والآخرة رقّ قلبه، وزهد في الدنيا، وأقبل على العمل الصالح.
أيها المسلمون: إن من أعظم آثار الإيمان باليوم الآخر أن يحمل العبد على محاسبة نفسه قبل أن يُحاسَب، ومراجعة أعماله قبل أن تُعرض على ربه، فالمؤمن الصادق يقف مع نفسه وقفة صدق، يتفقد أعماله، ويستدرك تقصيره، لأنه يعلم أنه سيُسأل عن كل ما عمل. وقد حذرنا الله من ذلك فقال: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} [البقرة: 281]. وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة هذا الحساب فقال: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ماذا عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه) رواه الترمذي. فإذا تذكر العبد هذا السؤال العظيم، اجتهد في إصلاح عمله، وخاف من التقصير، وبادر إلى الطاعة قبل أن يفوته الأوان.
أيها المؤمنون: إن من ضعف يقينه باليوم الآخر استهان بالذنوب، وتهاون في الطاعات، وأطلق لنفسه العنان في الشهوات، لأنه لا يستحضر عاقبة العمل ولا نتيجة الفعل، أما المؤمن الصادق، فإنه إذا همّ بمعصية تذكر وقوفه بين يدي الله تعالى، وتذكر أن كل عمل سيُعرض عليه، وأن كل صغيرة وكبيرة ستُحصى عليه، فيرتدع قلبه قبل أن تتحرك جوارحه. يتذكر قول الله تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ} [آل عمران: 30]. ويتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الكَيِّسُ مَن دانَ نفسَه وعملَ لما بعد الموت، والعاجزُ مَن أتبعَ نفسَه هواها وتمنّى على الله الأماني) رواه الترمذي. فالمؤمن العاقل هو الذي يحاسب نفسه اليوم قبل أن يُحاسَب غدًا، ويعمل للآخرة قبل أن يندم حيث لا ينفع الندم.
عباد الله: إن الإيمان باليوم الآخر يجعل العبد يحاسب نفسه في صلاته، هل أداها كما أمر الله؟ ويحاسب نفسه في لسانه، هل حفظه من الغيبة والكذب؟ ويحاسب نفسه في ماله، هل اكتسبه من حلال وأنفقه في حلال؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع…) رواه الترمذي، فهذا الحديث يوقظ القلب إلى ضرورة المراجعة الدائمة.
أيها المسلمون: إن من أعظم آثار الإيمان باليوم الآخر أنه يزرع في القلب الإخلاص لله تعالى، ويطهّر العمل من الرياء وطلب السمعة. فالمؤمن حين يوقن أنه سيقف يوم القيامة بين يدي الله تعالى، وأن الله مطّلع على سريرته ونيته كما هو مطّلع على عمله الظاهر، فإنه لا يلتفت إلى مدح الناس ولا إلى ذمهم، ولا يجعل غايته رضا المخلوقين، بل يجعل همه أن يرضى عنه رب العالمين. وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن أساس قبول الأعمال هو النية الصادقة، فقال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) رواه البخاري. فصلاح النية هو روح العمل، وهو الميزان الذي توزن به الطاعات يوم القيامة؛ ولذلك كان السلف الصالح يعتنون بإصلاح نياتهم أشد من عنايتهم بإصلاح أعمالهم الظاهرة، لأنهم يعلمون أن العمل قد يكون عظيمًا في الظاهر لكنه يسقط يوم القيامة إذا خالطه الرياء أو قصد به غير وجه الله تعالى. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أول من تُسعَّر بهم النار يوم القيامة ثلاثة: عالم، ومجاهد، ومتصدق، عملوا أعمالًا ظاهرة عظيمة، لكنهم لم يقصدوا بها وجه الله تعالى، وإنما أرادوا ثناء الناس ومدحهم، فيقال لكل واحد منهم: قد قيل، ثم يُسحب إلى النار، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم.
فالمؤمن الصادق إذا تذكر هذا الموقف العظيم، اجتهد في تصحيح نيته قبل كل عمل، وسأل نفسه: لمن أعمل؟ ولمن أصلي؟ ولمن أتصدق؟ أللَّه أم للناس؟ لأنه يعلم أن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) رواه مسلم. فالمعيار الحقيقي يوم القيامة ليس كثرة الأعمال في الظاهر، بل صدق القلوب وإخلاص النيات.
أيها المؤمنون: إن الإيمان بالآخرة يهوّن مصائب الدنيا، ويخفف آلامها، لأن المؤمن يعلم أن وراءها حسابًا عادلًا، وجزاءً منصفًا، قال الله تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران: 185]، فالفوز الحقيقي ليس في متاع الدنيا، بل في النجاة يوم القيامة. ولقد كان السلف الصالح شديدي المحاسبة لأنفسهم، لأنهم كانوا يستحضرون يوم العرض على الله تعالى، قال تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 6]، فكان أحدهم يحاسب نفسه على الكلمة، وعلى النظرة، وعلى الخاطرة، لأنه يعلم أن كل شيء مكتوب.
أيها المسلمون: إن من أعظم ما يعين العبد على محاسبة نفسه واستقامة طريقه أن يتذكر أهوال يوم القيامة ومشاهده العظيمة؛ يوم يقوم الناس لرب العالمين، وتنكشف السرائر، وتظهر الحقائق، يوم توضع الموازين، وينصب الصراط، وتتطاير الصحف، ويُدعى كل إنسان بعمله. إن استحضار هذه المشاهد يهزّ القلب من غفلته، ويوقظ النفس من سباتها، ويجعل العبد يقف مع نفسه وقفة صدق، يراجع فيها أعماله وأقواله قبل أن يقف للحساب بين يدي الله. قال تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7–8]. فإذا تذكر المؤمن هذا الموقف العظيم أعاد ترتيب أولوياته، وقدم ما ينفعه في آخرته على ما يفنيه في دنياه، وجعل همه أن يلقى الله بعمل صالح وقلب سليم. وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على هذا المعنى حين قال: (الكَيِّسُ مَن دانَ نفسَه وعمل لما بعد الموت، والعاجزُ مَن أتبع نفسَه هواها وتمنى على الله الأماني) رواه الترمذي.
أيها المؤمنون: إن الإيمان باليوم الآخر لا يثمر في القلب الخشية فحسب، بل يربي في النفس كذلك العدل والإنصاف، ويمنعها من الظلم والبغي، لأن المؤمن يعلم أن الحقوق لا تضيع عند الله، وأن كل مظلمة سيُقتصّ لها يوم القيامة. فمن أيقن بيوم الحساب لم يجرؤ على ظلم أحد، ولم يعتدِ على حق ضعيف، ولم يأكل مالًا بغير حق، لأنه يتذكر أن القصاص آتٍ لا محالة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم محذرًا: (الظلم ظلمات يوم القيامة) رواه البخاري. وقال أيضًا: (لتؤدنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يُقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) رواه مسلم. فالمؤمن الصادق إذا استحضر هذا المشهد العظيم كفّ يده عن الظلم، وضبط لسانه عن الأذى، وحفظ حقوق الناس، لأنه يعلم أن العدل في الدنيا نجاة في الآخرة، وأن الظلم مهما خفي في الدنيا فإنه سيظهر يوم القيامة بين يدي رب العالمين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الإيمان باليوم الآخر نورًا في القلوب، وزادًا في الطريق، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد،
فيا عباد الله: خلاصة ما تقدم أن الإيمان باليوم الآخر يثمر محاسبة النفس، ويضبط السلوك، ويزكي القلوب، ويمنع الظلم، ويحث على الطاعة، ويغرس الإخلاص، ويهوّن مصائب الدنيا، وأن من استحضر يوم الحساب عاش مراقبًا لربه، محاسبًا لنفسه، متهيئًا للقاء الله. تعالى؛ فاتقوا الله عباد الله، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن تُوزَن عليكم، وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة