الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أنضبط في دراستي وأتغلب على الكسل والتسويف؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عندما كان عمري 18 سنة، اخترتُ بكالوريا "تسيير وإدارة الأعمال"، فمرضتُ، بل "أمرضوني" بمشاكل وسحرٍ وأدوية، وكانت بتخطيطٍ من أقرب الناس لي ومن جيراني السيئين؛ فلم أتحصل على البكالوريا لمرتين، وتحصلتُ عليها في المرة الثالثة بمعدل ضعيف؛ لأنني درستُ شهرًا واحدًا فقط، لم أُعالَجْ بطريقة صحيحة، بل عالجوني بالأعشاب؛ مما أدى إلى انتكاستي ثانية، فذهبتُ لطبيب وشخّصني بمرض "الذهان"، استمر علاجي 10 سنوات، ولكن مع تخصصي وعلاماتي الضعيفة، لم أنجح في مسابقات التوظيف القليلة، لا سيما مع سياسات التوظيف ما بعد "كورونا"؛ حيث تم تجميد التوظيف وإغلاقه لست سنوات، خاصة في قطاع التربية والتعليم.

لذلك، كانت تدور في ذهني دائمًا فكرة إعادة البكالوريا "شعبة علوم تجريبية"؛ لأن فيها فرصًا كثيرة بخلاف "التسيير وإدارة الأعمال" هنا في الجزائر، وفي ولايتي الفقيرة تحديدًا، أعدتُ العام الماضي، ولكن مع الانقطاع عن المواد العلمية والدراسة، وظروف وفاة الوالد -رحمه الله-، لم أستطع الذهاب لاجتيازها.

هذا العام دفعتُ رسومًا باهظة، وها أنا أكرر الخطأ ذاته؛ فلم أدرس بعدُ، وما زال هناك 100 يوم على البكالوريا كفرصة أخيرة لدراسة البرنامج والتحضير؛ لأنني أريد معدل 15 يؤهلني للالتحاق بسلك التمريض أو الطب.

كيف أنضبط وأنجز في دراستي كل يوم؟ هذا هو التحدي مع ضعف الهمة لدي؛ فأنا غير منضبط، وأسوف وأؤجل المهام وأستصعبها، خاصة مادة الفيزياء التي وجدتها صعبة جدًا، آخرون قالوا لي: "إنك لم تحسن اختيار الشعبة"، لكنني أحب العلوم.

لدي بالفعل برنامج، فكيف أطبقه على أرض الواقع؟ خاصة مع مشقة الصيام في نهار رمضان وصلاة التراويح في الليل، أقول لنفسي: "يجب عليّ دراسة ثلاث ساعات للمواد العلمية دبر كل صلاة، مع ساعة ونصف للغات، وساعة لحفظ مواد الحفظ"، لكنني أسوّف؛ فما حكم الدين في التسويف؟ أريد أن أدرس بجدية كل يوم لغاية البكالوريا، فأنا أعرف أنها سهلة لمن اجتهد من تجربتي السابقة.

آخرون يقولون لي: "إنه وقت الزواج والعمل؛ لأن عمرك 33 سنة، وليس وقت الدراسة"، إنهم أناس سلبيون؛ فكيف لي أن أتزوج وأنا عاطل عن العمل؟! من ناحية العمل، أنا أدرس الإنجليزية الآن في معهد ووصلت للمستوى (B2) لكنني لا أتحدثها، وأريد إتقانها للعمل في دول الخليج (الإمارات، قطر، السعودية، الكويت، أو عُمان)؛ فمنطقة الخليج متطورة، لا سيما وأنني أحمل شهادة "ماستر" في التسيير.

سؤالي الأهم: بعد أن تغلبتُ على مرضي الذهني، وبعمري هذا، ومع بقاء 100 يوم على بكالوريا العلوم؛ كيف أتحصل على أعلى الدرجات وأطبق برنامجي؟ لدي جميع المصادر، فكيف أنضبط في دراستي وأتغلب على الكسل والتسويف؟

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وسامحوني لإطالتي عليكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك لطلب الاستشارة من موقعك المفضل إسلام ويب، ونحن نتفهم -أخي محمد- ما مررت به من ظروف نفسية وعلمية صعبة، وتراكمات طويلة بدأت مع المرض ثم تعثّر الدراسة، وفقدان الوالد -رحمه الله-، وتعقيدات الواقع الوظيفي، وكل ذلك كفيل بأن يرهق أي إنسان، لكن مع هذا كله يظهر في كلامك وعيٌ واستبصار بحالتك، وهذا بحد ذاته خطوة كبيرة في طريق التعافي، ففهمك لطبيعة مرضك النفسي، وحرصك على العلاج والانتظام عليه من أهم أسباب الاستقرار، فاحرص على الاستمرار في المتابعة الدوائية والطبية؛ فإن ذلك يعينك كثيرًا على صفاء الذهن والانضباط.

وأما عدم حصولك على وظيفة مناسبة حتى الآن؛ فليس نهاية الطريق، بل ما يميزك هو هذا السعي الدؤوب لتطوير نفسك علميًا، وإعادة المحاولة من جديد، وفتح باب فرص أفضل، سواء داخل بلدك أو خارجه، وهذه الروح هي التي تصنع الفارق في النهاية -بإذن الله-.

وإعادتك للبكالوريا مرة أخرى رغم الصعوبات دليل مثابرة وقدرة على التحصيل، لكن المرحلة الحالية تحتاج منك إلى قرار واضح: أن تُفرغ طاقتك بالكامل في المدة المتبقية، وهي مئة يوم، مع يقين صادق أن الله سيبارك جهدك إذا صدقت، فليست المشكلة في صعوبة الطريق، بل في التشتت وضعف الالتزام.

ولا حرج عليك في الاستشارة والاستخارة، فهما من السنة ومن الأخذ بالأسباب، لكن لا تجعل اختلاف كلام الناس يشتتك، فالعوام قد يختلفون كثيرًا، وبعضهم يُسقط تجاربه أو مخاوفه عليك، فخذ من النصيحة ما وافق هدفك المدروس، واترك ما يثبطك دون دليل.

ومن الجيد أنك وضعت لنفسك برنامجًا، لكن قيمة البرنامج ليست في كتابته بل في تنفيذه، وهنا تحتاج إلى تقليل الطموح النظري إلى خطوات عملية قابلة للاستمرار، خاصة في شهر رمضان، الذي هو فرصة عظيمة لمضاعفة الجهد مع التقرب إلى الله، فاجعل يومك منظمًا بين العبادة والمذاكرة، واستعن بالدعاء وتلاوة القرآن ليطمئن قلبك ويقوى عزيمتك.

أما عن التسويف، فحكمه يختلف باختلاف أثره، لكنه إذا أدى إلى تضييع الواجبات وتعطيل المصالح فهو مذموم، والعلاج ليس بكثرة التفكير فيه، بل بالمبادرة والفعل، فالبداية البسيطة المستمرة خير من خطط كبيرة لا تُنفذ.

ودراستك للغة الإنجليزية ووصولك إلى مستوى متقدم خطوة ممتازة، وهي من مفاتيح فرص العمل خارج البلاد، فاستمر عليها، وحاول إدخال الممارسة اليومية ولو بشكل بسيط.

ولكي تتغلب على الكسل والتسويف، جرّب هذه الخطوات العملية:

ابدأ يومك بهدف صغير واضح، لا تقل سأدرس كثيرًا، بل سأدرس درسًا واحدًا من الفيزياء الآن، ثم ابدأ فورًا دون انتظار الحافز، واجعل المذاكرة على فترات قصيرة (45 – 60 دقيقة) يتبعها استراحة محددة، وابدأ بالمواد الصعبة في أول اليوم، خاصة الفيزياء، ولو بقدر يسير، ولا تنتظر الفهم الكامل من البداية، بل التدرج، مع حل تمارين بسيطة يوميًا، وثبّت لنفسك مكانًا وزمانًا محددين للدراسة، وابتعد عن الهاتف أثناء الجلسة، ودوّن إنجازك اليومي ولو كان بسيطًا، فإن تراكم الإنجاز يولد الدافعية، وألزم نفسك بقاعدة: ابدأ خمس دقائق فقط، وغالبًا ستكمل بعدها.

واحرص كذلك على كسر الروتين، فاجعل يومك متوازنًا: مذاكرة، عبادة، حركة بدنية خفيفة، تواصل مع الآخرين، ولا تعزل نفسك، وتحدث مع من تثق بهم، فالدعم النفسي يعينك كثيرًا.

ولا تنشغل كثيرًا بفكرة الزواج الآن مقارنة بالدراسة وإن كانت الفكرة في حد ذاتها جيدة عندما تتيسر لك الظروف لتكون أكثر استقرارًا في حياتك، وركّز على بناء نفسك أولًا، فهذا أدعى للاستقرار لاحقًا، وأنت تسير في الطريق الصحيح.

وأخيرًا: نذكّرك بلمسة إيمانية تعينك على الثبات: إن الله لا يضيع سعي من صدق معه، وأن كل خطوة تخطوها اليوم -ولو كانت صغيرة- هي مكتوبة لك عند الله قبل أن تراها في نتيجتك، قال تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)، فاجعل نيتك في طلب العلم عبادة، واستعن بالله في كل بداية، وقل: "اللهم أعني ولا تعن عليّ"، واعلم أن الفرج يأتي مع الصبر، وأن ما تعيشه الآن قد يكون بداية فتح كبير في حياتك إن أحسنت الأخذ بالأسباب.

ونطمئنك: ما دامت هذه الروح فيك، وهذا الإصرار، فلم يفتك شيء، والوقت المتبقي كافٍ -بإذن الله- لتحقيق نتيجة طيبة، فابدأ من اليوم، ولا تلتفت للماضي، واستعن بالله، وسترى أثر ذلك قريبًا.
وفقك الله.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً