الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لم أوفق في امتحان تثبيت العمل، فكيف أتجاوز ما أنا فيه؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كان لديّ امتحان تثبيت في المؤسسة التي أعمل فيها، لكنني لم أُوفّق ولم أنجح فيه، مرّ أسبوعان تقريبًا، وحتى الآن لم أستطع تجاوز الأمر أو نسيانه، بل كرهتُ مكان عملي؛ لدرجة أنني لا أذهب إليه بسبب هذا الفشل، رغم أن جميع زملائي وُفّقوا ونجحوا وهم مسرورون إلا أنا.

واللهِ لقد سئمتُ من هذه الدنيا وتعبت؛ فكلما تذكرتُ الأمر أعود إلى نقطة الصفر، وحتى الآن لم أستطع التجاوز، ورغم أني أصلي وأقرأ القرآن، إلا أنني أشعر بأني دخلتُ في حالة اكتئاب، خاصة وأني كنتُ أمرُّ بظروف صعبة (أجريتُ عملية جراحية في عيني)، لكن هذه المفتشة ظلمتني ولن أنسى ظلمها؛ فبسببها لم أنجح، وقد حاسبتني على أتفه الأسباب، فـ -حسبي الله ونعم الوكيل فيها-.

سؤالي: أرجوكم دلوني على حلٍّ أستطيع به تجاوز هذه الأزمة التي أمرُّ بها، فقد أصبحتُ أظن أن الله يعذبني أو يعاقبني -والعياذ بالله-، أرجوكم أفيدوني وشكرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ آية حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكر لك التواصل مع موقع إسلام ويب وطلب الاستشارة، وبعد التمعن في قراءة رسالتك نشعر بكِ -أيتها الأخت الكريمة- ونتفهم ما تمرين به من ألم وشعور بالظلم، فالإخفاق بعد جهد، خاصة حين ترين من حولك قد نجحوا، يترك في النفس أثرًا صعبًا، ويجعل الإنسان يعيش صراعًا داخليًا بين ما كان يتمنى وما حدث في الواقع، ولا شك أن ما زاد الأمر عليكِ هو إحساسكِ بأن هناك عدم إنصاف في التقييم، وهذا الشعور بحد ذاته مرهق ومؤلم.

لكن مع ذلك كله، نود أن نطمئنك أن باب الأمل لا يزال مفتوحًا على مصراعيه، وأنك ما زلتِ في بداية الطريق، وفي عمر مليء بالفرص، وليس هذا الموقف نهاية المطاف، بل هو محطة من محطات الحياة التي يمر بها كثير من الناجحين قبل أن يصلوا إلى ما يريدون، فلا تجعلي لحظة واحدة تختصر مستقبلك كله.

ومن المهم أن تنظري إلى نفسك نظرة أوسع من هذا الحدث، فأنتِ مؤهلة للعمل، وقد تم قبولكِ أساسًا في هذه المؤسسة، وهذا دليل على كفاءتك، وما حدث لا يلغي قدراتك ولا قيمتك، بل هو تجربة تحتاج إلى إعادة قراءة بهدوء، لا إلى جلد الذات أو الانسحاب من الواقع.

وما تشعرين به الآن من حزن شديد، ونفور من العمل، ورغبة في الانعزال، هو شعور طبيعي بعد مثل هذه الصدمة، لكنه -بإذن الله- شعور مؤقت، يخف تدريجيًا مع الوقت، ومع عودتكِ للحياة الطبيعية، واستمراركِ في السعي وعدم التوقف، فالمشكلة ليست في الشعور ذاته، بل في الاستسلام له، ولهذا فإن من أهم ما ننصحك به هو العودة إلى عملك وعدم الانقطاع، حتى وإن كان ذلك بثقل في البداية؛ لأن الابتعاد سيزيد من تضخيم الفكرة في ذهنك، بينما المواجهة التدريجية ستُضعف هذا الأثر، ومع الوقت سيخف تعلقكِ بهذه التجربة.

واجعلي من هذه المرحلة دافعًا لتطوير نفسك أكثر، وإثبات جدارتك، فاجتهدي في تحسين مهاراتك، واطلبي التغذية الراجعة من أهل الخبرة، واعملي على تقوية نقاط الضعف، فربما تكون هذه التجربة -رغم قسوتها- سببًا في نضجك وتميزك لاحقًا، وكم من إنسان تأخر في خطوة، لكنه تقدم بعدها خطوات أكبر.

وحاولي كذلك أن تتعاملي مع فكرة الظلم بحكمة، فلا تجعليها تستنزفك نفسيًا، فحقك عند الله لا يضيع، وقد يكون في تأخيرك خير لا ترينه الآن، فالله سبحانه أرحم بك من نفسك، ولا يعذب عباده بما يظنون، بل يقدر لهم ما فيه مصلحتهم، قال تعالى: (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ)، فثقي أن اختيار الله لكِ يحمل خيرًا، حتى وإن خفي عليكِ في هذه اللحظة.

ويمكنك عمليًا أن تبدئي بخطوات بسيطة:
حيث يمكنك أن تعيدي تنظيم يومك، عودي للعمل تدريجيًا، تواصلي مع صديقاتك دون مقارنة، مارسي نشاطًا تحبينه لتخفيف الضغط، واكتبي ما تشعرين به بدل كتمانه، ويمكنك التحدث في أمورك الخاصة مع شخص ثقة وأمين واستشارته في قراراتك المهمة، ومع الوقت ستجدين أن هذه المشاعر بدأت تخف وتعودين لحياتك الطبيعية -بإذن الله-.

ولا تجعلي هذا الحدث يجعلكِ تسيئين الظن بالله أو تظنين أنه عقاب، بل أحسني الظن به، واستمري في عبادتك، واسأليه أن يعوضك خيرًا ويفتح لك أبوابًا أفضل.

أنتِ قادرة -بإذن الله- على تجاوز هذه الأزمة، وما تمرين به الآن ليس إلا مرحلة عابرة، وستنظرين إليها لاحقًا على أنها درس قوي شكّل جزءًا من نجاحك القادم، فاصبري، واستعيني بالله، وابدئي من جديد بثبات وثقة.
وفقك الله.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً