الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وقعت في إدمان الإباحيات والعادة السرية، فكيف أتخلص منهما؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أودّ أن أطرح مشكلتي، وهي أنني مدمن على مشاهدة المقاطع الإباحية، وممارسة العادة المحرّمة منذ نحو سنتين، وقد حاولتُ جاهدًا الإقلاع عن هذه الأفعال المحرّمة، ولكنني لم أنجح، وأريد أن أعرف إن كان بإمكانكم توفير فرصة زواج لي لأعفَّ نفسي في هذا المجتمع المتعرّي؛ فالموضوع صعب جدًّا في هذا الزمن، إذ تنتشر الإباحيات في الشارع، والهاتف، والتلفاز، والمدرسة، ومقاومة كل ذلك أشبه بالمستحيل من خلال تجربتي.

وشكرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ رشيد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكر لك –أيها الابن الكريم– صراحتك واعترافك بوجود المشكلة، فإن إدراك الإنسان لخطئه واستبصاره بموطن الضعف في نفسه خطوةٌ كبيرةٌ في طريق العلاج، وكثيرٌ من الناس يقعون في مثل هذه المعاصي لكنهم يبرّرونها أو ينكرونها، أمّا أن تشعر بثقلها في قلبك وتسعى للخلاص منها، فهذا يدلّ على حياة الضمير، ورغبةٍ في التوبة والرجوع إلى الله تعالى، وهو أمرٌ نحمد الله عليه، ونسأله أن يثبّتك ويعينك.

واعلم أن مرحلة الشباب هي من أعظم مراحل العمر، وقد جعلها الله ميدانًا للابتلاء والاختبار، ومن وفّقه الله فيها لحفظ جوارحه عن الحرام فقد نال فضلًا عظيمًا، وقد أخبر النبي ﷺ أن من السبعة الذين يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه: «شابٌّ نشأ في طاعةِ الله»، فالشابّ الذي يجاهد نفسه ويغضّ بصره ويحفظ سمعه وفرجه له عند الله منزلةٌ عظيمة؛ لأن قوة الشهوة ودواعي الفتنة تكون في هذه المرحلة أشدّ، ومن غلب نفسه فيها فقد فاز بخيرٍ كبير.

وممَّا ينبغي أن تعلمه أيضًا أن وصول الإنسان إلى مرحلة الإدمان –كما وصفت حالك– وعدم القدرة على التوقف رغم المحاولات المتكررة، يدلّ على أنك تحتاج إلى برنامجٍ علاجيٍّ واضحٍ وجادّ، وليس مجرد نياتٍ عابرة أو محاولاتٍ متقطعة.

وأول خطوات العلاج: أن تكون لديك إرادةٌ حقيقيةٌ للتوقف، وأن تبادر بإزالة كل ما يعين على المعصية من حياتك؛ كحذف المواقع والتطبيقات المرتبطة بهذه المقاطع، ووضع برامج الحجب على الهاتف والحاسوب، والابتعاد عن الخلوة الطويلة بالإنترنت؛ لأن من قواعد الشرع والعقل معًا: سدّ الذرائع التي تقود إلى الحرام.

ولا تظن أنك وحدك الذي يعاني من هذه المشكلة، فالبعض من الشباب في هذا العصر ابتُلوا بها بسبب سهولة الوصول إلى هذه المواد، لكن في المقابل هناك كثيرون أيضًا استطاعوا التخلص منها والتغلّب عليها عندما صدقوا مع الله، وغيّروا نمط حياتهم، وابتعدوا عن الأسباب التي تجرّهم إليها، ولزموا الصحبة الصالحة التي تعين على الطاعة وتذكّر بالله، فالإنسان إذا بقي وحيدًا مع فراغه وهاتفه كان ذلك بابًا واسعًا للوقوع في المعصية، أمّا إذا امتلأ وقته بما ينفع، وصاحب الأخيار، وقوّى صلته بربه؛ فإن ذلك من أعظم ما يعينه على الاستقامة.

ونذكّرك كذلك بأن باب التوبة مفتوحٌ مهما تكرّر الذنب، فالله تعالى يقبل من عباده إذا رجعوا إليه صادقين، ويبدّل سيئاتهم حسنات.

ومما يعينك على العفاف أن تفكّر بجدية في الزواج إذا استطعت إليه سبيلًا، فقد أرشد النبي ﷺ الشباب إلى ذلك فقال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّج، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِِ وَأَحَصَن لَلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِِ فِإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»، فالزواج طريقٌ مشروعٌ لتفريغ الغريزة، والصوم وسيلةٌ نافعةٌ لكبحها وتهذيبها لمن لم يقدر على الزواج بعد.

لكن ينبغي أيضًا ألَّا تجعل صعوبة الواقع أو انتشار مظاهر العري مبرّرًا للاستسلام للحرام، فوجود الفتنة لا يعني أن الوقوع فيها حتمي، وقد عاش المسلمون في عصورٍ وأماكن مليئةٍ بالمغريات، ومع ذلك حفظ كثيرٌ منهم أنفسهم بطاعة الله ومجاهدة النفس، والله عز وجل خلق في الإنسان هذه الغريزة، لكنه شرع لها الطريق الصحيح وهو الزواج، وأمر بغضّ البصر والصبر حتى يتهيّأ هذا الطريق.

كما يجدر بك أن تدرك أن مسؤولية السعي إلى الزواج تقع على الشاب نفسه في المقام الأول، فالزواج ليس مجرد وسيلةٍ لإشباع الغريزة، بل هو مسؤوليةٌ كبيرة تتعلق ببناء أسرةٍ ورعاية زوجةٍ وأبناءٍ في المستقبل، ولذلك يحتاج إلى قدرٍ من الاستعداد المادي والنفسي، وقد يضطر الإنسان أحيانًا إلى تأجيله حتى يستطيع تحمّل هذه المسؤولية، وفي هذه الفترة يكون من الحكمة أن يجاهد نفسه ويقرّبها من الله، ويجتهد في طلب العلم أو العمل وبناء مستقبله، حتى يتمكن لاحقًا من تأسيس بيتٍ مسلمٍ صالحٍ بإذن الله.

ومن الأمور العملية التي ننصحك بها: أن تضع لنفسك برنامجًا يوميًا واضحًا يملأ وقتك، ويقلّل من الفراغ؛ فاحرص على المحافظة على الصلوات في وقتها، وخاصة صلاة الفجر في المسجد إن استطعت، واجعل لنفسك وردًا يوميًا من القرآن، وحاول ممارسة الرياضة بانتظام، فهي تفرّغ كثيرًا من الطاقة الجسدية وتساعد على تهدئة التوتر.

كما يمكنك البحث عن فرصة عملٍ مناسبة، والتوفيق بين وقت العمل والدراسة أو تعلّم مهارةٍ نافعة أو عملٍ جزئيٍّ إن أمكن، وابتعد عن السهر الطويل، والوحدة مع الهاتف أو الحاسوب.

كما يفيد كثيرًا أن تُبقي الأجهزة الإلكترونية في مكانٍ بعيدٍ عنك في أوقات الفراغ، وأن تقلّل من استخدام الإنترنت إلا للحاجة.

ومن الوسائل النافعة أيضًا: أن تصاحب شبابًا صالحين يشجّعونك على الطاعة، وأن تحضر مجالس العلم أو الأنشطة المفيدة في المسجد أو المراكز الشبابية، فهذه البيئات تعين على الاستقامة وتمنح الإنسان شعورًا بالانتماء والهدف.

نسأل الله أن يطهّر قلبك، ويعينك على غضّ بصرك وحفظ فرجك، وأن ييسّر لك الزواج الحلال في الوقت المناسب، وأن يجعلك من الشباب الذين ينشؤون في طاعة الله.

والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً