الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بعد معرفتي بعلاقة خطيبتي السابقة أفكر في تركها، فأشيروا علي!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شابٌّ في الرابعة والعشرين من عمري، تعرّفتُ إلى فتاة منذ سنتين، فأحببتُها وخطبتُها، وكانت تعني لي الكثير، وكنتُ سعيدًا معها، ولكن الشيطان أغواني، فانجرفنا إلى محادثات محرّمة ذات -وأستغفر الله- ثم تبادلنا الصور والمقاطع الفاضحة، حتى ضعفنا ووقعنا في الفاحشة، فندمتُ ندمًا شديدًا، وقررتُ التوبة، وخطبتُها بنيّة الزواج.

لكن بعد مدة اكتشفتُ أمرًا غيَّرَ كل شيء؛ فقد علمتُ أنها فعلت معي ما كانت قد فعلته سابقًا مع خطيبها السابق، وعندما واجهتُها وسألتُها لماذا لم تخبرني منذ البداية، دخلتْ في نوبة بكاء شديدة، وأخبرتني أنها خافت أن تخسرني، مع العلم أنني اكتشفتُ الأمر وحدي دون أن تخبرني.

والآن لا أدري ماذا أفعل! فأنا قد تبتُ إلى الله، ونادمٌ على ما فعلت، وأصلّي وأصوم وأتصدّق، وأريد أن تكون توبتي نصوحًا لله تعالى، أمّا هي، فلا أعلم هل أسامحها على ما مضى وأبدأ معها من جديد، أم أتركها، مع أنها ندمت ندمًا شديدًا وتابت هي أيضًا، لكنني أخشى أن أنظر إليها يومًا ما فتعود إلى ذهني تلك الذكريات؟!

جزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ سائل حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحباً بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع، ونهنئك بنعمة الله تعالى عليك حين وفقك للتوبة والندم على معصيتك، وهذه نعمة جليلة منّ الله تعالى بها عليك، نوصيك بشكرها، ومن شكر النعمة الثبات عليها والأخذ بالأسباب التي تعينك على هذا الثبات.

ومن أهم هذه الأسباب: الرفقة الصالحة والأصدقاء الطيبون؛ الأصدقاء الطيبون الذين يعينونك على الطاعة، وبالتوبة -أيها الحبيب- يُصحِّح الإنسان مساره ويمحو ذنوبه السابقة؛ فإن التوبة تمحو ما كان قبلها كما قال الرسول ﷺ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ»، وهذا بشرط استكمال التوبة لأركانها وشروطها؛ وأركانها ثلاثة:

- الأول يتعلق بزمن الماضي، وهو الندم على فعل الذنب.
- والثاني يتعلق بزمن المستقبل، وهو العزم في القلب على عدم الرجوع إلى هذا الذنب.
- والركن الثالث يتعلق بالزمن الحاضر، وهو الإقلاع عن الذنب.

فإذا فعل الإنسان هذا فإن الله تعالى يقبل توبته ويجعلها كفارة لذنبه، فقد قال الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾، فنسأل الله تعالى أن يتقبَّل توبتك، وأن يُقدِّر لك الخير حيث كان ويرضيك به.

ونشكر لك -أيها الحبيب- حرصك على أن تستر على هذه الفتاة وقرارك بأن تتزوجها بعد أن وقعت في ما وقعت فيه معها، وهذا من حُسن أخلاقك وكمال رجولتك؛ فإن الوفاء وحب الخير للآخرين من مكارم الأخلاق، ومحاسن الصفات التي يتصف بها الإنسان الطيب، ونحن نرجو الله تعالى أن يكون هذا الخلق سببًا جالبًا لك أسباب السعادة، فإن الله تعالى لا يُضيع أجر من أحسن عملًا؛ فمن أحسن إلى الناس أحسن الله تعالى إليه، ومن ستر على مسلم ستر الله تعالى عليه.

والقاعدة التي ينبغي أن يتعامل بها الإنسان مع غيره -أيها الحبيب- هي قول الرسول ﷺ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحُ عَنِ النَّار وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتَهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَومِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلِيهِ»، فهذه القاعدة النبوية الشريفة الحاملة لمعالي الأخلاق: أن يجعل الإنسان نفسه في موقف الآخر، فيعامله بما يُحب أن يعامله به لو كان في مقامه.

وعلى هذا الأساس نقول -أيها الحبيب-: إذا كانت هذه الفتاة قد ظهرت منها علامات التوبة فعلاً، والندم على فعلها، ورأيتَ منها أمارات ودلالات تدلُّ على صدقها في تصحيح مسارها، وندمها على ما فعلت؛ فإن من الإحسان إليها أن تستر عليها، وما دمت تحبها، فما حصل من ذنب منها في الماضي لا يمنع صلاحها للمستقبل ما دامت قد تابت؛ فهي مثلُك تمامًا، فإذا كنت قد تبت إلى الله تعالى وكانت توبتك كفَّارة لذنبك، فهي كذلك توبتها كفارة لذنوبها.

ولا ينبغي أن تلومها لماذا لم تخبرك بما وقع منها من قبل، فإنها مطالبة شرعًا بأن تستر على نفسها، فقد قال الرسول ﷺ: «مَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ فَلْيَسْتَتِر»، ولو سألتنا نحن بنفسها لأرشدناها إلى هذا الذي أرشد إليه الرسول الكريم ﷺ، بأن تستر على نفسها، فليس شيئًا تُلام عليه أنها لم تحدثك بما جرى.

لكن نصيحتنا لك فقط أن تنظر إلى وضعها الحالي الآن، فإن كانت فعلاً قد تابت وظهرت عليها أمارات وعلامات على هذه التوبة، فنحن نرى أن تعاملها بواقعها الحالي، وأن تغض الطرف عمَّا كان في الماضي، فإن الإنسان بعد توبته قد يغيره الله تعالى إلى حال هي أحسن ممَّا كان عليه قبل وقوعه في الذنب.

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يُقدِّر لك الخير حيث كان ويرضيك به.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً