الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

طاقتي مستنزفة مع صديقاتي على حساب صحتي النفسية

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أود استشارتكم في مشكلة تؤرقني كثيراً، وتسببت لي كره البيئات الاجتماعية، وحتى كره الذهاب للمدرسة.

أنا بطبعي إنسانة مرحة جداً، وعفوية، وأحب الحياة، وبشهادة الجميع أنا "روح المكان" وصانعة البهجة فيه، لكنني اكتشفتُ مؤخراً أنني استُنزفتُ تماماً؛ فأغلب من أصاحبهم من الشخصيات الهادئة نوعاً ما، والذين يعتمدون عليّ كلياً في خلق الأجواء وإدارة الحديث.

أشعر أنني أبذل مجهوداً مضاعفاً (كأنني مهرج) لإسعاد من حولي، ولو سكتُّ لعمَّ الصمت والملل، فيبدؤون بالضغط عليّ بسؤال: "لماذا أنتِ ساكتة؟ احكي لنا شيئاً"، لقد وصلتُ لمرحلة "النفور" التام من هؤلاء الصديقات، ولم أعد أطيق الجلوس معهنَّ؛ لأنني أشعر بضيق شديد، ولم أعد أحتمل أن أكون الممول الوحيد للطاقة في العلاقة دون أي تبادل أو تفاعل منهنَّ.

أجد صعوبة كبيرة في المواجهة؛ فلا أعرف كيف أنسحب أو أضع حدوداً دون أن أشعر بالذنب؛ لدرجة أنني أتمنى أن يخطئنَ في حقي ليكون لدي مبرر للابتعاد، بدأتُ أشعر أنني أفقد نفسي المرحة الحقيقية بسبب هذا الاستنزاف، وأتساءل: هل المشكلة في كوني لا أجيد اختيار من يشبهني في الطاقة؟ وكيف أتخلص من شعور "الالتزام بإسعاد الآخرين" على حساب صحتي النفسية؟

أشعر بإرهاق شديد وأصبحتُ عصبية، ولا أطيق الجلوس معهنَّ، هل الخلل في اختياري لنوعية الأصدقاء؟ وكيف أتعامل مع "الالتزام النفسي" الذي فرضه عليّ من حولي بأن أكون دائماً مرحة؟ وكيف أضع حدوداً تحمي طاقتي دون صدام عنيف؟

أتمنى منك توجيهي لكيفية وضع حدود واضحة تحمي طاقتي، وكيفية الانسحاب من هذه العلاقات المستنزفة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ملك حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

ابنتنا الكريمة، من الجميل أن تتمتعي بهذه الروح العفوية المرحة التي تجعل من حولك يشعرون بالبهجة، وأن يراك الناس بأنك روح المكان، وصانعة الأجواء الطيبة بينهم، فهذه صفة جميلة يحبها الناس فيمن حولهم، وهي في الحقيقة نعمة من الله تعالى تستحق الشكر؛ لأن إدخال السرور على الآخرين خلق كريم يدل على قلب طيب، وحضور اجتماعي محبب، لكن مثل هذه النعمة تحتاج أيضاً إلى شيء من التوازن حتى لا تنقلب إلى عبء على صاحبها، فليس من المطلوب أن يكون الإنسان دائماً مسؤولاً عن إسعاد الجميع، أو أن يحمل وحده طاقة المجلس كله، فالإنسان بطبيعته يحتاج أحياناً إلى الهدوء أو الصمت، أو أن يكون مستمعاً فقط، وهذا أمر طبيعي ولا يعني أنه تغير أو فقد روحه المرحة.

وفي مثل عمرك -وهي مرحلة ما زالت الخبرة الاجتماعية فيها تتشكل- قد يقع البعض في اختيار صداقات لا تتوافق تماماً مع طبيعتهم الشخصية، فيحدث نوع من عدم التوازن في العلاقة، فيصبح أحد الأطراف هو الذي يبذل الجهد الأكبر في الحديث أو في إحياء الجو، بينما يكتفي الآخرون بالتلقي، ومع مرور الوقت قد يشعر الشخص بأن العلاقة أصبحت عبئاً عليه، خاصة إذا كانت هناك تقلبات مزاجية، أو إذا توقع الآخرون منه أن يكون المصدر الدائم للبهجة والطاقة.

والأصل في الصداقة أن تقوم على قدر من التوازن في الحقوق والمسؤوليات، وعلى الأخذ والعطاء بين الجميع، فالصديق الحقيقي لا ينتظر منك أن تبقى دائماً في دور معين لإسعاده، بل يبادلك الاهتمام والمشاركة؛ لذلك فإن مراجعة الإنسان لنوعية صداقاته أمر طبيعي ومفيد، خاصة إذا شعر أن بعض العلاقات أصبحت تستنزف طاقته بدلاً من أن تمنحه الراحة.

ومع ذلك فإن ما لديك من حضور وتأثير بين صديقاتك ليس أمراً سلبياً كله، بل فيه جانب مضيء يمكن أن يكون بداية لشخصية مؤثرة وقيادية في المستقبل؛ لأن القدرة على إدخال البهجة والتفاعل مع الناس مهارة اجتماعية مهمة، لكن الفرق أن الشخصية الناضجة تتعلم كيف تستخدم هذه المهارة باعتدال، دون أن تجعلها التزاماً ثقيلاً عليها.

ولهذا يمكنك التعامل مع الأمر بخطوات بسيطة وهادئة، فمن حقك أحياناً أن تكوني هادئة أو أقل حديثاً دون أن تشعري بالذنب، فإذا سألك أحدهم لماذا أنت صامتة يمكنك ببساطة أن تقولي إنك متعبة قليلاً أو في مزاج هادئ اليوم، ومع الوقت سيتعود من حولك على أن لك حالات مختلفة مثل أي إنسان.

كما يمكنك توسيع دائرة معارفك واختيار صديقات تتقارب شخصياتهن مع شخصيتك في الحيوية والتفاعل؛ لأن التقارب في الطباع يجعل العلاقة أكثر راحة وتوازناً، أما إذا شعرت أن بعض العلاقات أصبحت مرهقة فعلاً، فليس من الضروري أن تقطعيها فجأة أو بصدام، بل يمكن أن تقللي الوقت الذي تقضينه فيها تدريجياً، وأن تشغلي نفسك بأنشطة أخرى في المدرسة أو خارجها، ومع الوقت سيصبح وجودك أقل دون أن يحدث توتر أو مواجهة.

ومن المفيد أيضاً أن تمنحي نفسك مساحات خاصة للراحة والهدوء، فالإنسان لا يستطيع أن يبقى في حالة نشاط اجتماعي دائم، الاهتمام بالهوايات، أو القراءة، أو ممارسة الرياضة، أو قضاء وقت مع أفراد الأسرة قد يعيد لك التوازن ويجدد طاقتك.

وتذكري أن الصداقة الصحية هي التي تشعرك بالراحة والقبول، لا تلك التي تجعلك تشعرين أنك مطالبة دائماً بأداء دور معين، ومع مرور الوقت واكتساب الخبرة ستصبحين أكثر قدرة على اختيار من يناسبك من الأصدقاء، وعلى وضع حدود هادئة تحمي طاقتك دون أن تجرحي أحداً أو تدخلي في صدام.

نسأل الله أن يوفقك، ويحفظ فيك روحك الجميلة، ويجعلها سبباً للخير لك ولمن حولك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً