الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حالتي الصحية أضعفت قدرتي على العبادة في رمضان، فماذا أفعل؟

السؤال

السلام عليكم.

أنا فتاة أبلغ من العمر 22 عاماً، خضعتُ سابقاً لعملية استئصال ورم، كما تم استئصال الرئة اليمنى أيضاً منذ سنتين، من الناحية الصحية؛ أصاب بالوهن بين الحين والآخر، وقبل رمضان بيوم واحد تعبتُ جداً وذهبتُ إلى المستشفى، واكتشفتُ أنني أعاني من التهاب رئوي حاد في الرئة اليسرى، وتجمعت عليها مياه بكمية كبيرة نتيجة لهذا الالتهاب.

كنتُ في طريقي للإصابة بجلطة رئوية، ولكن -بفضل الله- تناولتُ حبوب السيولة أثناء تكوّنها فتم تدارك الأمر مبكراً، وأنا الآن أتناول العلاج وحالي أفضل -ولله الحمد-.

ولكن، ليس لدي القدرة على العبادة بشكل جيد كما في السابق؛ ففي المعتاد كانت لدي القدرة على ختم القرآن كل ثلاثة أيام، أما في رمضان هذا العام فلا أملك القدرة ولا الطاقة لفعل ذلك، وأرغب في النوم طوال الوقت.

عبادتي الآن أقل من أيامي العادية، ووقت نومي طويل جداً؛ حيث أصلي الفجر وأجلس جلسة الشروق لقراءة جزء من القرآن، ثم أصلي الضحى وأنام، وأستيقظ عند الظهر لأصلي وأبدأ ورد الذكر، ثم أعود للنوم حتى العصر، فأستيقظ لأصلي، وأقول الأذكار، ثم أعود للنوم حتى المغرب، وبعد العشاء والتراويح أنام حتى الساعة الثانية تقريباً، حتى أشغال البيت والأعمال اليومية التي كنتُ معتادة على أدائها لم أعد أفعلها، فليس لدي وقت بسبب النوم، ولا طاقة لأي مجهود.

هذا الأمر يرهقني نفسياً جداً؛ إذ أشعر أن الله غير راضٍ عني، ولذلك لم يهيئ لي القدرة على التعبد في الوقت الذي يتعبد فيه الجميع حتى العصاة منهم.

أخشى أن يخرج رمضان دون أن أُعتق من النار، ولا أستطيع التوقف عن النوم رغماً عني، مع العلم أن الطبيب أخبرني أن أهم شيء هو النوم الجيد والأكل الصحي، ولكن الأمر زاد عن حده، وأصبحتُ لا أفعل شيئاً سوى النوم تقريباً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ منة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، نشكر لكِ تواصلكِ بالموقع، وبدايةً نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيكِ شفاءً لا يغادر سقمًا، وأن يعجل لكِ بالعافية.

نهنئكِ -ابنتنا الكريمة- بفضل الله تعالى عليكِ بما رزقكِ من علو الهمة والرغبة في العبادة، وهذا في حد ذاته فضلٌ عظيم وعطاءٌ كبير، فإن الإنسان المسلم يصل بنيته إلى ما لا يقدر على الوصول إليه بعمله، وقد دلت أحاديث كثيرة، وقبل ذلك دلت آيات القرآن العظيم على أن الإنسان يُثاب بما يرجو ويتمنى حصوله من العمل الخير؛ فقد قال ﷺ عن الرجل الذي يتمنى أن يكون له مال فيعمل مثل عمل الإنسان الصالح الذي له مال، قال: «فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَهُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ».

وبخصوص المرض نبشركِ بقول النبي ﷺ: «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا»، فمن رحمة الله تعالى أنه يجري على هذا الإنسان أعماله التي كان يعملها في حال صحته، فينقطع عنها في حين مرضه أو سفره، فإن الله تعالى يجري عليه ثواب ذلك العمل، ويكتب له في صحيفته أنه عمله، وهذا من فضل الله تعالى.

فأبشري وأملي من الله تعالى خيرًا، وثقي بأن الله تعالى لن يحرمكِ الأجور الكبيرة، وقد علم الله تعالى منكِ النية والعزم على فعل هذه الأعمال، لولا المرض هذا الذي أعجزكِ عن بعض ما كنتِ تفعلينه؛ فأبشري وأملي خيرًا.

واعلمي أن دين الله تعالى يسر، وأنه «لَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَه»، و«إن اللهَ يحبُّ أن تُؤتَى رخصهُ كما يحبُّ أن تُؤتَى عزائمهُ»، فهو الذي شرع الأحكام للإنسان الصحيح، وهو الذي شرع الأحكام للإنسان المريض، وهو يحب -سبحانه وتعالى- أن يفعل الإنسان المسلم بشرعه كله كما قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾.

فما شرعه الله تعالى لكِ من الأحكام في مرضكِ هو تيسير من الله، ورفق بكِ، ورخصة، ورحمة، وينبغي أن تقبلي رخصة الله تعالى وهديته لكِ وصدقته عليكِ، فقد سمى النبي ﷺ قَصْرَ الصلاة للمسافر صدقة تصدق الله بها علينا.

فكل التخفيفات التي شرعها الله تعالى للإنسان المريض، هي في الحقيقة صدقة من الله تعالى ينبغي لنا أن نقبلها ونفوسنا راضية مطمئنة، ونحسن ظننا بالله أنه لا ينقص ملكه شيء أن يعطينا أجور ما نتمنى من الخير، فالإنسان يبلغ بنيته الصالحة ما لم يبلغه بعمله، وقد قال الإمام أحمد رحمه الله: "ما دمت تنوي الخير فأنت بخير".

وما تفعلينه الآن -أيتها البنت الكريمة- من العمل الصالح هو عمل كثير أيضًا مع هذا المرض الذي أنتِ فيه، هو لا يزال عملًا كثيرًا ونعمة كبيرة أن وفقكِ الله -سبحانه وتعالى- له ويسره لكِ، ينبغي أن تشكري هذه النعمة وتسألي الله تعالى أن يتقبل منكِ وأن يجبر ما كان في عملكِ من خلل.

فلا تكثري من تأنيب نفسكِ ولوم نفسكِ بحيث يصل بكِ هذا التأنيب واللوم إلى درجة من القنوط أو اليأس، وربما يجركِ الشيطان قليلًا، فيثقل عليكِ العبادات والطاعات ويقطعكِ عنها.

استمري على ما أنتِ عليه، وواظبي على هذا، والقليل الذي ترينه أنتِ قليلًا هو عند الله تعالى كثير، فإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قلَّ، وحاولي أن تستغلي أوقاتكِ بما لا يشق عليكِ ولا يوصلكِ في مرضكِ إلى درجة الضرر أو الأذى.

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يُيَسِّر لكِ الخير، وأن يَمُنَّ عليكِ بالعافية.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً