الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أتتني أفكار سلبية تجاه والديّ فتحققت في أبي، فما السبب؟

السؤال

السلام عليكم.

أشعر بأني أحسد أبي وأمي على الرغم من أنني أخاف عليهما، ثم بعد ذلك أستعيذ من الشيطان، ولكن مع ذلك تنتابني أفكار سيئة عنهما؛ كأن يصاب أبي بمرض خطير جدًا، مع أنني أدعو له، وأخرج الصدقات عنه، ويؤنبني ضميري، وأتساءل: ما سبب هذه الأفكار السيئة التي تنتابني تجاه والدي ووالدتي، وأنا أحبهما جدًا، وليس لدي غيرهما في هذه الدنيا، وأدعو دائمًا لهما بالبركة في العمر والصحة، وأن يحفظهما الله من كل مرض وبلاء؟

أنا الآن مدمرة؛ لأن كل ما كان ينتابني من أفكار حصلت لأبي!

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ رنا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أشعر من كلماتك بصدق حبك لوالديك، وألمك الشديد لما أصاب والدك، وهذا الحزن الذي في قلبك دليل على برك بهما، وليس العكس، لكن الذي يحدث معك في الحقيقة هو أمر يقع فيه كثير من الناس؛ فهذه الوساوس والخواطر القهرية التي يزرعها الشيطان في القلب حتى يفسد على الإنسان طمأنينته، لذلك سنمضي مع الأمر بهدوء، ونضع له ميزانه الصحيح.

أولًا: هذه الأفكار لا تعني أنك تحسدين والديك:
فالحسد عمل قلبي يتمنى فيه الإنسان زوال النعمة عن غيره، وأنتِ تقولين إنك تدعين لوالديك دائمًا بالصحة والعافية، وتخرجين الصدقات عنهما، وتخافين عليهما، وهذا وحده كافٍ ليدل أن قلبك ليس فيه حسد.

الذي يحدث هو مجرد خواطر عابرة، وقد أخبر النبي ﷺ أن مثل هذه الخواطر لا يؤاخذ الله بها، فقال: "إن الله تجاوز لأمتي ما حدّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم " متفق عليه، فما دام الأمر مجرد أفكار تأتيك، وتدفعينها، وتستعيذين بالله تعالى منها، فاعلمي أنها لا تضرك عنده سبحانه.

ثانيًا: الخواطر السيئة كثيرًا ما تأتي للإنسان في أحب الناس إليه:

الشيطان يعرف نقاط ضعف الإنسان، فيأتيه من أحب الأشياء إلى قلبه، ولذلك كان الصحابة أنفسهم يشتكون من وساوس شديدة، حتى قال بعضهم للنبي ﷺ إنهم يجدون في أنفسهم ما يتعاظمون أن يتكلموا به، فقال ﷺ: ذاك صريح الإيمان، أي أن كراهية هذه الوساوس ومحاربتها دليل على إيمان القلب، لا على فساده.

ثالثًا: لا تربطي بين الفكرة والواقع؛ فقولك إن بعض الأمور التي خطرت في بالك حدثت بعد ذلك؛ جعل عندك شعورًا أنك السبب، أو أنك حسدتِ والدك، وهذه فكرة خاطئة تمامًا؛ فالأحداث التي تقع في حياتنا كلها بقضاء الله تعالى وقدره، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا﴾، مرض والدك لم يحدث؛ لأن فكرةً مرت في بالك، بل هو أمر قدَّره الله تعالى لحكمة يعلمها سبحانه.

رابعًا: الإحساس بالذنب الزائد يزيد الوسواس: وكلما خفتِ من الفكرة، وبدأتِ تحاسبين نفسك عليها، وتلومينها، كبر الوسواس أكثر، والطريقة الصحيحة هي أن تتعاملي مع هذه الخواطر ببساطة:

– عندما تأتيك الفكرة قولي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
– تجاهليها مباشرة ولا تناقشيها.
– أشغلي نفسك بشيء آخر.
ومع الوقت ستضعف هذه الأفكار كثيرًا.

خامسًا: اجعلي قلقك يتحول إلى برٍّ ودعاء، بدل أن يستهلكك القلق، واجعلي محبتك لوالدك تظهر في أشياء نافعة:
– كثرة الدعاء له بالشفاء.
– الصدقة عنه.
– إدخال السرور عليه بالكلمة الطيبة والاهتمام؛ قال ﷺ: «داووا مرضاكم بالصدقة».

سادسًا: لا تنسي أن المرض قد يكون باب رحمة؛ فالمرض ليس دائمًا علامة شر، بل قد يكون رفعة في الدرجات، وتكفيرًا للذنوب؛ قال النبي ﷺ: "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن… حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه"، فاجعلي قلبك بين الدعاء بالشفاء والرضا بقضاء الله تعالى.

وأخيرًا: أنتِ لستِ إنسانة سيئة كما يصور لك الوسواس، بل ابنة محبة خائفة على والديها، ووجود هذه الأفكار لا يعبّر عن حقيقتك، بل هو مجرد خواطر عابرة يحاول الشيطان من خلالها أن يحزنك، ويجعلك تشعرين بالذنب.

استمري في الدعاء، وأكثري من قول: اللهم اشفِ أبي شفاءً لا يغادر سقمًا، واحفظه لنا، وأطل عمره على طاعتك، وأسأل الله تعالى أن يطمئن قلبك، وأن يشفي والدك شفاءً تامًا عاجلًا، ويجمع بينكم على الصحة والعافية والسكينة.

والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً