الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل أستمر في تنمية مشروعي التجاري، أم أخطط للزواج قريبًا؟

السؤال

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته.

أنا في السادسة عشرة من عمري، وأمتلك مشروعًا تجاريًا أعمل فيه بعد الدراسة، ومدخوله يمكن أن يُنفق على أسرة، ومن أهدافي تطويره حتى يصبح أكثر من مشروع، وهذا ما أعمل عليه فعلًا، وقد يتحقّق قريبًا بإذن الله، وكما تعلمون فالزواج من أنجح وأفضل مشاريع الحياة، وتكاليفه في بلادنا تقارب ثمانية آلاف دولار.

أنا صاحب سمعة طيبة، وناجح في كثير من مجالات حياتي؛ في الدراسة، وفي حفظ كتاب الله، وطلب العلم الشرعي، وهذا يشهد به الناس، والله أعلم، وكثيرون يقولون إن عقلي أكبر من عمري، وحتى بنيتي الجسدية تبدو أكبر من عمري بسنوات.

فكّرتُ في الزواج رغبةً في إعفاف نفسي عن المحرّمات التي أكاد أقع فيها، وناقشتُ الفكرة مع من أثق بهم، فكان منهم المؤيّد والمعارض، أمّا والداي فقد كانت ردّة فعلهما إيجابية ومبشّرة، لكنهما قالا: إنني ما زلت صغيرًا، ومن سيقبل بي، وغير ذلك من الكلام، فأخبرتهما أن يكون العقد الآن، والعرس بعد سنتين، أي بعد نهاية الثانوية وبلوغي الثامنة عشرة، فقال لي أبي إنه سيعينني بشرط أن أنتهي من الثانوية، أي بعد سنتين، وهذا أحد أهدافي أصلًا.

مختصر الكلام: أخشى أن يكون مشروع الزواج عائقًا أمام تطوير تجارتي بسبب تكاليفه العالية، وفي الوقت نفسه أخاف على نفسي من الوقوع في الحرام.

ومن ناحية أخرى: هل والداي محقّان في قولهم إن أحدًا لن يقبل بي لصغر سني، مع أن لديّ الباءة؟ أم أن الأمر مجرد خوف على مستقبلي الدراسي -كما قالا-؟

جزاكم الله خيرًا، وأحسن إليكم، ورفع قدركم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أبو طلحة .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

قرأت رسالتك بإعجاب؛ فاجتماع هذه الصفات في شاب في السادسة عشرة من عمره: حفظ القرآن، والجد في الدراسة، وبناء مشروع تجاري، والتفكير في إعفاف النفس، كلها علامات خير ونضج، فأسأل الله تعالى أن يبارك فيك ويزيدك توفيقًا، لكن مثل هذه القرارات الكبيرة تحتاج أن تنظر بميزان الشرع والحكمة معًا، لا باندفاع الحماس وحده، فلنمضِ خطوة خطوة.

أولًا: أصل الفكرة التي تفكر فيها فكرة شرعية صحيحة:
فطلب الزواج لإعفاف النفس مقصد عظيم، وقد أرشد إليه النبي ﷺ بقوله: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ»، فحرصك على العفة وخوفك من الوقوع في الحرام أمر محمود، لكن العلماء يبينون أن الاستطاعة في الحديث ليست القدرة المالية فقط، بل القدرة على تحمل مسؤوليات الزواج كلها: النفسية، والاجتماعية، والاستقرار في الحياة.

ثانيًا: موقف والديك يبدو أقرب إلى الحكمة لا إلى الرفض:
من كلامك يظهر أن والديك لم يرفضا الفكرة رفضًا قاطعًا، بل أبديا تفهمًا، لكنهما يخافان عليك من أمرين: صغر السن، وتأثير الزواج على مستقبلك الدراسي، وهذا خوف طبيعي من الوالدين؛ لأنهما ينظران إلى حياتك على المدى الطويل، فالأب غالبًا لا ينظر فقط إلى قدرتك الحالية، بل إلى المرحلة القادمة من حياتك، خاصة إذا كنت تطمح لدراسة تحتاج وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا.

ثالثًا: الزواج ليس مجرد قدرة مالية:
كثير من الشباب يظن أن الزواج إذا توفر له المال فقط أصبح مستعدًا له، لكن الواقع أن الزواج مسؤولية يومية طويلة:
– إدارة بيت.
– تحمل اختلاف الطباع.
– النفقة المستمرة.
– التوازن بين العمل والدراسة والأسرة.
ولهذا قال تعالى عن الزواج: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا}، أي أنه عهد كبير لا قرار عابر.

رابعًا: اقتراحك بالعقد الآن والعرس بعد سنتين فكرة ممكنة لكن بشروط، فهذا الحل قد يكون مناسبًا في بعض الحالات، لكن لا بد أن تتوفر له أمور مهمة:
– موافقة والديك التامة.
– وجود عائلة مناسبة تقبل بذلك.
– قدرة حقيقية على الاستمرار في الدراسة دون أن يشتتك الأمر.

وفي الواقع العملي كثير من الأسر تتردد في تزويج ابنتها لشاب في هذا السن، ليس لعيب فيك، بل لأنهم يخافون على استقرار ابنتهم، ولهذا كلام والدك قد يكون من باب الواقعية الاجتماعية لا التقليل منك.

خامسًا: لا تجعل الخوف من الحرام يدفعك لقرار متعجل:
صحيح أن الفتن كثيرة في هذا الزمان، لكن العفة لها وسائل متعددة، وليس الزواج هو الوسيلة الوحيدة في هذا العمر، وقد أرشد النبي ﷺ الشباب الذين لم يستطيعوا الزواج إلى وسيلة أخرى فقال: «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»، أي وقاية للنفس وكسرًا للشهوة.

ومن الوسائل المهمة أيضًا:
– غض البصر.
– الانشغال بالأهداف الكبيرة.
– تجنب الاختلاط والبيئات المثيرة للفتن.

سادسًا: الحل المتوازن في حالتك:
استمر في تطوير نفسك علميًا وتجاريًا، وحافظ على علاقتك القوية بوالديك واستشرهما دائمًا، واحمِ نفسك من الفتن بالصوم والانشغال النافع، هذا ويمكن أن تعود لمناقشة فكرة الزواج بعد سنة أو سنتين عندما تقترب من نهاية الثانوية،
وفي هذا الوقت ستكون أكبر سنًا، وأكثر استقرارًا في مشروعك، وأقرب لتحقيق أهدافك الدراسية.

أخيرًا: ما تفكر فيه الآن يدل على نضج جميل، لكن النضج الحقيقي ليس في سرعة اتخاذ القرار، بل في اختيار التوقيت المناسب له، وقد يكون من الخير لك أن تبني نفسك في هذه السنوات القليلة القادمة، ثم تدخل الزواج وأنت أكثر قوة واستقرارًا، فيكون بيتك ثابتًا بإذن الله تعالى.

نسأل الله أن يبارك في عمرك وعلمك ومالك، وأن يحفظك من الفتن، وأن يكتب لك زواجًا صالحًا في الوقت الذي يكون فيه الخير لك في دينك ودنياك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً