الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

خطبت من أحبها وتحبني فرفضتني أمها، فهل أترك الأمر؟

السؤال

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

لن أطيل عليكم، بارك الله فيكم.

أنا شابٌّ ملتزم، عمري 23 سنة، أحببتُ بنت خالي وأحبّتني محبّة صافية بلا شهوة، كنتُ في علاقة محرّمة معها، ولم أكن أعلم أن مجرد الكلام أو الخلوة مع غير المحارم محرّم، وحين عرفنا الحكم تبنا إلى الله توبة صادقة، وندمنا وبكينا، وقطعنا كل أشكال الكلام والرسائل واللقاء بيننا تمامًا، وبرضا الطرفين، وحتى عند اجتماع الأقارب لا أريد أن أراها ولا تريد أن تراني، إلَّا إن كان ذلك مصادفة.

وطبعًا حين علم أهلي وأهلها بعلاقتنا غضبوا منّا، وبعد فترة أردتُ الوفاء بوعدي وتقدّمتُ لخطبتها؛ فهدأ غضب أهلي ووافقوا عليها، لكن أمّها رفضتني، أمّا والدها –وهو خالي– فكان موافقًا، وهي إلى الآن لم تُخطب.

أنا أؤمن أنّ الخير كلّه من الله، لكنني أستشيركم: أنا في حيرة من أمري، هل أستمرّ في الدعاء والسعي إليها حتى يوافق أهلها، أم أترك الأمر وقد يخطبها غيري؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أرحب بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب.

أقدّر في رسالتك صدقك مع نفسك، ووضوحك في الاعتراف بالخطأ، ثم المبادرة إلى التوبة وقطع العلاقة المحرّمة؛ وهذه خطوة عظيمة ينبغي أن تحمد الله تعالى عليها؛ فليس كل من وقع في الخطأ يوفَّق للرجوع، وقد قال الله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ».

كما أن ما فعلتماه بعد التوبة من قطع التواصل تمامًا تصرف صحيح يدل على تعظيمكما لحدود الله تعالى، وهذا من علامات التوبة الصادقة؛ لأن التوبة لا تكون بالندم فقط، بل بقطع الأسباب التي قادت إلى الذنب.

والآن دعنا الآن ننظر إلى المسألة بميزانٍ واقعي هادئ حتى لا يتحول هذا الأمر إلى تعلق طويل يعطل حياتك.

أولًا: التوبة لا تعني أن الزواج سيقع حتمًا: كثير من الشباب يظن أن نهاية القصة يجب أن تكون الزواج، وكأن هذا تعويض إلهي حتمي بعد التوبة، لكن الحقيقة أن التوبة تمحو الذنب عند الله تعالى، ولا تفرض على الناس قرار الزواج؛ فقد يكون الخير أن يتم هذا الزواج، وقد يكون الخير ألا يتم، والله تعالى يقول: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ}، لذلك ينبغي أن يبقى قلبك معلقًا بالله تعالى لا بالنتيجة.

ثانيًا: موقف أمها ينبغي فهمه لا الصدام معه: من الطبيعي أن تغضب الأم عندما تعلم بوجود علاقة سابقة بين ابنتها وشاب من العائلة، حتى لو انتهت بتوبة؛ لأن بعض الأمهات يخشين تكرار المشاكل أو كلام الناس.

لكن في المقابل، وجود موافقة والدها (خالك) أمر إيجابي، لأنه صاحب الولاية الأصلية في النكاح؛ ومع ذلك الحكمة تقتضي محاولة تهدئة الأم وكسب رضاها، لأن الزواج مع رفضها قد يخلق توترًا دائمًا في العائلة.

ثالثًا: لا تجعل حياتك معلقة بقرار واحد: الخطأ الذي يقع فيه بعض الشباب أنه يبقى سنوات ينتظر فتاة واحدة دون أن يفتح بابًا آخر في حياته؛ وهذا التعلق الطويل قد يضيع عليه فرصًا كثيرة، والشرع لم يجعل الزواج مقصورًا على شخص واحد، بل قال النبي ﷺ: (إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ)، أي أن معيار الزواج هو الدين والخلق والتكافؤ، لا قصة عاطفية سابقة فقط.

رابعًا: اجمع بين السعي والواقعية: لا مانع أن تبقى راغبًا فيها، لكن بطريقة متزنة لا تعطل حياتك، ويمكنك أن تتبع هذا المسار العملي:
- محاولة أخيرة حكيمة: بأن تجعل شخصًا محترمًا من كبار العائلة أو ممن لهم مكانة عند أمها يتحدث معها بهدوء، ويبين لها أنك تقدمت رسميًا وتبت إلى الله تعالى وتريد الزواج بالحلال.
- وضع حد زمني واضح: لا تجعل الأمر مفتوحًا لسنوات، أعط نفسك فترة معقولة (مثلاً عدة أشهر أو نحو سنة) لمحاولة الإصلاح. إن استمر الرفض فاقبل قضاء الله تعالى.
- إذا بقي الرفض بعد المحاولة الجادة، فالأفضل أن تغلق هذا الباب نفسيًا؛ لأن استمرار التعلق سيبقي قلبك معلقًا بما لا تملكه.
- افتح باب الزواج بواقعية: لا مانع بعد ذلك أن تنظر في غيرها من الفتيات الصالحات؛ فربما يرزقك الله تعالى زوجة خيرًا لك في دينك وحياتك.

خامسًا: احذر من إبقاء القلب معلقًا بالماضي: حتى لو بقي في قلبك شيء من الميل إليها، لا تسمح لهذا الشعور أن يمنعك من بناء حياتك؛ فالحياة لا تتوقف عند تجربة واحدة، وقد قال النبي ﷺ في الحديث العظيم: (وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ)، فإن كانت نصيبك فسييسرها الله تعالى بطريقة لا تتوقعها، ولا تخطر على بالك، وإن لم تكن نصيبك فلن تستطيع جمعها إليك مهما حاولت.

وأخيرًا:
أنت الآن شاب في سن بناء الحياة، فلا تجعل قلبك أسير قصة واحدة. ادعُ الله تعالى أن يختار لك الخير، وقل في دعائك: "اللهم إن كانت هذه الفتاة خيرًا لي في ديني ودنياي فاكتبها لي ويسّر أمرها، وإن لم تكن خيرًا لي فاصرفها عني واصرف قلبي عنها، وارزقني خيرًا منها"، فالقلب إذا سلَّم الأمر لله مولاه؛ ارتاح من الحيرة، وفتح له أبوابًا لم يكن يتوقعها.

نسأل الله تعالى أن يكتب لك الخير حيث كان، وأن يرزقك زوجة صالحة تَقَرُّ بها عينك، وأن يجمع بينكما على طاعته إن كان في ذلك صلاح لكما.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً