الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أمي تتهمني ظلما وأختي تحتاجني.. كيف أوازن بين البر وصلة الرحم؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أمي مريضة بالقلب، وقد أصيبت سابقًا بجلطة دماغية، كما أجرت عمليةً جراحية في القلب، ولديَّ أخت تبلغ من العمر 16 عامًا، تحبّ أن تزورني مرة واحدة في الأسبوع، ولكنَّ أمي تتسلط عليها الوساوس، وتظنّ أن أختي في خطرٍ عندما تأتي لزيارتي، حتى إنها في مرة سابقة اتهمتني بأنني أريد تقديم أختي لرجال آخرين، وأعوذ بالله من هذا الكلام، وحاشا لله أن أفعل بأختي ما تظنه أمي وما يأتيها من وساوس الشيطان.

أنا الآن في حيرةٍ من أمري؛ لأن أختي ما زالت صغيرة السن، وتأتي عندي لِمَا تجده من عطفٍ وحبٍ وحنان، وفي الوقت نفسه لا أريد أن أكون عاقًا لأمي، مع العلم أنني في كل مرةٍ أعرضُ على أمي أن تنتقل للعيش معي في منزلي، وأؤكد لها أنها مرحبٌ بها دائمًا، ولكنها ترفض العيش معي، لأنها تخشى على إخوتي وتريد البقاء معهم، علماً بأن لديَّ أختًا واحدةً فقط وأخوين اثنين.

بماذا تنصحونني في التعامل مع هذه الوساوس التي تؤرق أمي، وكيف أوازن بين صلة رحمي بأختي وبري بوالدتي؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- أنك تعيش ضغطًا نفسيًا مضاعفًا، يجمع بين ألم الاتهام الظالم من أمك، وخوفك على أختك الصغيرة، وحرصك الشديد على ألَّا تكون عاقًا، وهذا الثلاثي من المشاعر معًا أمرٌ ثقيل بحق، ونحن ندرك ذلك جيدًا.

أولًا: أُمُّك -حفظها الله- مرت بتجارب صحية قاسية، فالجلطة الدماغية وعملية القلب من أشد الأحداث الصحية وطأة على النفس البشرية، وكثيرًا ما تترك مثل هذه التجارب أثرًا على الحالة النفسية؛ إذ يصاب المريض بقلق مزمن، وخوف دائم على من يحب، يتجلى أحيانًا في صورة وساوس واتهامات لا أساس لها من الصحة.

فما تقوله أمك عنك ليس حكمًا على شخصيتك الحقيقية، بل هو نتاج خوف مريض يبحث عن مخرج، والقلب المريض الذي يحب أحيانًا يُعبّر عن خوفه بلغة الاتهام، لا لأنه قاسٍ، بل لأنه مرعوب، قال الله تعالى: {وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَانَ بِوَلِدَيۡهِ حُسۡنًا} (العنكبوت:8)، ولاحظ أن الله -سبحانه قال: (حُسنًا) فالبر يعني حسن المعاملة والصبر، وليس القبول بكل ما يصدر حتى لو كان ظلمًا.

ثانيًا: من أجمل ما قاله علماؤنا في هذا الباب: أن بر الوالدين لا يعني التنازل عن كرامتك ولا إسقاط حق أختك، بل البر الحقيقي هو أن تصبر على أذى والديك وتحسن إليهم، دون أن تنتقم أو تقطع أو تُغضب.

أنت -أخي الكريم- لم تعقّ أمك، بل فتحت بيتك لها وعرضت عليها الإقامة معك، وهذا موقف يشهد لك لا عليك، والله شاهد على ذلك قبل أي أحد، قال النبي ﷺ: «لَيْسَ الوَاصِلُ بِالمُكَافِئِ، وَلَكِنَّ الوَاصِلَ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» (رواه البخاري).

ثالثًا: أختك البالغة من العمر ستة عشر عامًا في مرحلة حساسة جدًّا من عمرها، تحتاج فيها إلى قدوة ومرجعية وحضن عائلي آمن، وإذا كانت تجد في بيتك ذلك الأمان والحب والحنان؛ فهذا من أعظم ما يمكن أن تقدمه لها، وقطع هذه الزيارات دون مبرر حقيقي قد يترك جرحًا في نفسها، ويحرمها من سند تحتاجه، وصلة الرحم أمر واجب، وأختك من الرحم، وقد قال تعالى: {فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُوا۟ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوۤا۟ أَرۡحَامَكُمۡ} (محمد:22)، فلا تدع الوساوس تُفسد هذه الرابطة الجميلة.

رابعًا: من الأمور التي ستعينك بإذن الله:
- التواصل مع أحد أفراد الأسرة الذي تثق أمك برأيه، سواء أكان أخًا كبيرًا أم عمًا أم شخصًا مقربًا، واطلب منه أن يُوضّح لها الأمر بهدوء، إذ الكلام من طرف ثالث موثوق -أحيانًا- يصل إلى القلب أسرع مما يصل كلامك أنت.

- من المهم أن تحرص على التواصل المستمر مع أُمِّك، بشكل مستقل عن موضوع أختك، اتصل بها يوميًا واسألها عن صحتها وتفقد أحوالها، حتى يبقى خيط الثقة موصولًا بينكما.

- إذا كان بالإمكان أن تأتي أختك إليك أحيانًا مع أحد إخوتك الكبار في نفس الوقت، فهذا سيُزيل كثيرًا من الوساوس التي تساور أمك، وهو حل وسط يُرضي الجميع.

- الحديث مع أمك في لحظة هدوء واطمئنان، لا حين يكون الموضوع على الطاولة، وقل لها بكل لطف وأدب: "أمي، أنا أحبك وأحترمك، وما كان مني يومًا إلَّا ما يُرضيك ويُرضي الله، وأختي أمانة في عنقي، كما هي أمانة في عنقك".

خامسًا: أُمك تمر بمرحلة صعبة نفسيًا وجسديًا، ونوصي بأن تُشير بأدب على أهل البيت بعرض استشارة نفسية لها، أو على الأقل مراجعة طبيبها المعالج وإطلاعه على حالتها النفسية، فكثيرًا ما يُوصف القلق والوساوس التي تظهر بعد الجلطة الدماغية بأدوية، أو علاج يُخففها بشكل ملحوظ، وهذا ليس عيبًا، بل هو رعاية حقيقية لها.

سادسًا: أخي الكريم، اصبر، فإن الصبر على الأهل والأقارب من أرقى درجات الأخلاق، وما ضاع أجر محسن قط.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل، وأن يُعافي أمك ويمنحها الطمأنينة والراحة، وأن يجمع شملكم على خير.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً