المقارنات ورؤية الناس يحصدون نتائج تعبهم تزيد من شعوري بالمرارة!

2026-03-15 21:48:49 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أكتب هذه الكلمات وأنا مثقَل القلب، بعد سنةٍ كاملة من الصراع الصامت مع نفسي، خلال هذا العام تدهورت صحّتي النفسيّة كثيرًا؛ أصبحت مكتئبًا، فاقدًا للشغف، وكأنّ الحياة تمضي من حولي، بينما أبقى واقفًا في مكاني، أيّامي باتت متشابهة على نحوٍ مؤلم: أستيقظ، أمسك الهاتف بلا هدف، آكل، ثم أنام، لا حماس، ولا طاقة، ولا أي شعور بأنّني أتقدّم خطوة واحدة في حياتي.

الأصعب من ذلك هو نظرتي إلى نفسي، لقد وصلتُ إلى مرحلة أكره فيها نفسي بشدّة، بل أمقتها، أشعر أنّني خيّبت كلّ التوقّعات، وأنّني لا أملك شيئًا أفتخر به، وقد وصلت الآن إلى مرحلة التفكير في الانتحار.

وسائل التواصل الاجتماعي زادت هذا الشعور قسوة، أحاول الابتعاد عنها قدر استطاعتي، لأنّني أعلم أنّها تؤذيني، لكنّني أجد نفسي أعود إليها أحيانًا رغمًا عنّي، هناك أرى أشخاصًا في مثل عمري، بل أصغر منّي، وقد بدؤوا يحقّقون إنجازات كبيرة: من يشتري سيارة، ومن يتزوّج، ومن يبني عملًا خاصًّا إلى جانب دراسته، ومن يعيش حياة تبدو مستقرة وسعيدة.

حين أرى ذلك، يتسلّل إلى قلبي شعور ثقيل من الغبطة الممزوجة بالحسرة، أتمنّى بصدق أن أكون مثلهم، لكنّني أشعر أنّني عاجز عن الوصول إلى ما وصلوا إليه؛ لأنّه لا شيء يميّزني، ولا مواهب لديّ، وأقنع نفسي أحيانًا بأنّ السبب هو نقص الإمكانيات.

لا مال لديّ، ولا أدوات تساعدني، ولا حتى بيئة مريحة للدراسة، ليست لي غرفة خاصّة أختلي فيها بدراستي؛ وأحيانًا أجد نفسي أدرس في المرآب وسط البرد، أمّا الإقامة الجامعية فهي فصل آخر من المعاناة اليومية: ظروف صعبة، ازدحام، ومسافات طويلة تستنزف ما تبقّى من طاقتي.

في لحظات كثيرة أشعر وكأنّ كلّ الظروف تقف ضدي، أرى حياة بعض الناس مستقرة وميسورة، يعيشون في بيئة نظيفة ومريحة، يسافرون مع عائلاتهم في العطل، ويجدون فرصة لالتقاط أنفاسهم، أمّا أنا، فحتى عطلة الصيف تمرّ دون أن أستطيع تغيير الجو أو التنفّس قليلًا؛ بسبب الظروف المادية الصعبة لعائلتي.

ومع مرور الوقت بدأت أشعر أنّني فاشل في كلّ جانب من جوانب حياتي: علميًّا، وأكاديميًّا، وعائليًّا، وحتى دينيًّا.

أحاول أن أبحث عن جانب إيجابي في نفسي فلا أجده، وكأنّني أعيش في ظلّ مقارنة دائمة مع الآخرين لا تنتهي، رؤية الناس يعملون بجدّ ويحصدون نتائج تعبهم تزيد من شعوري بالمرارة، وتجعلني ألوم نفسي أكثر فأكثر.

أعلم في قرارة نفسي أنّ الأرزاق بيد الله، لكنّ نفسي المتعبة لا تستوعب هذا المعنى، كلّ ما أعرفه أنّني أريد أن أخرج من هذه الدائرة المفرغة، وأن أجد سبيلًا إلى ذلك.


الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكر لك تواصلك، وطلب الاستشارة من موقع إسلام ويب.

بدايةً: نذكرك بالنظر إلى نعم الله عليك، فأنت شابٌّ في الثانية والعشرين من عمرك، تتمتع بالصحة والعافية، وفي مقتبل حياتك، وقد هيأ الله لك فرصةً عظيمةً يتمناها كثيرٌ من الشباب، وهي الدراسة في كلية الطب، وهذه نعمةٌ عظيمةٌ تحتاج إلى أن تراها بعين التقدير، فكم من شابٍّ يتمنى أن يصل إلى هذا المكان العلمي ولا تتاح له الفرصة.

أولًا: يظهر من رسالتك يدل على أنك كنت متفوقًا، أو على الأقل تسير في طريقٍ جيدٍ قبل هذه السنة، وهذا مهمٌّ؛ لأن بداية الصراع النفسي عندك لم تكن منذ سنواتٍ طويلةٍ، بل منذ نحو عامٍ فقط، وهذا يعني أن هناك عاملًا نفسيًّا طارئًا، وضغطًا معينًا تراكم عليك حتى أثّر في حالتك النفسية، وجعلك تشعر بفقدان الشغف والإرهاق الداخلي.

ثانيًا: من أكثر الأمور التي أتعبتك المقارنة بالآخرين، خصوصًا ما تراه في وسائل التواصل الاجتماعي من إنجازاتٍ ماديةٍ، أو مظاهر نجاحٍ مبكرةٍ، لكن من المهم أن تُدرك أن الطريق الذي تسير فيه –وهو طريق الطب– يختلف بطبيعته عن كثيرٍ من المسارات الأخرى، فدراسة الطب تحتاج سنواتٍ أطول من الجهد والتفرغ قبل أن يبدأ صاحبها في جني ثمارها المادية والمهنية، وهذا قدر كثيرٍ من الأطباء في بداية الطريق، لكن بعد التخرج والعمل يعوضهم الله غالبًا أكثر ممَّا كانوا يتوقعون.

ثالثًا: المقارنة المستمرة بوضع الأصدقاء الأفضل منك ماديًّا تستنزف طاقتك النفسية دون فائدةٍ، لأن لكل إنسانٍ ظروفه وبدايته المختلفة، وقد يبدأ بعض الناس مبكرًا في كسب المال، بينما يبدأ آخرون متأخرين لكنهم يحققون استقرارًا أكبر على المدى البعيد.

رابعًا: ما ذكرته من احتقار النفس وتأنيب الضمير المستمر من أصعب ما يمر به الإنسان، خصوصًا عندما يتغذى هذا الشعور من خلال متابعة وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تعرض حياة الآخرين في صورةٍ مثاليةٍ غير واقعيةٍ، لكن وصول الأمر إلى كره نفسك والتفكير في الانتحار مؤشرٌ مهمٌّ لا ينبغي تجاهله، بل يستدعي مراجعة طبيبٍ أو مختصٍّ نفسيٍّ في أقرب وقتٍ؛ لأن الاكتئاب قابلٌ للعلاج بإذن الله، والعلاج المبكر يُساعد كثيرًا في استعادة التوازن النفسي.

وفي المقابل من الواضح أن أمامك فرصًا حقيقيةً يمكن البناء عليها؛ فأنت ما زلت في مرحلة التعليم، وما تبذله اليوم من جهدٍ في دراستك سيعود عليك بعد التخرج بمستقبلٍ مهنيٍّ كريمٍ بإذن الله، وقد يعوضك الله عما فاتك وأكثر.

كما أن مقارنة وضعك المادي بوضع بعض أصدقائك، أو من تراهم عبر وسائل التواصل؛ تستنزف طاقتك النفسية دون فائدةٍ، لأن هذه المقارنات غالبًا تكون غير عادلةٍ؛ فالناس يعرضون أفضل ما في حياتهم، ولا يظهرون صعوباتهم أو معاناتهم، فيبدو المشهد وكأن الجميع ناجحٌ وسعيدٌ إلَّا أنت.

وقد ذكرت أنك وصلت إلى احتقار نفسك وتأنيبها بشدةٍ، وهذا من أصعب ما يمر به الإنسان؛ لأن الإنسان إذا فقد تقديره لنفسه شعر بأن كل شيءٍ حوله بلا معنىً، وزيادة هذا الشعور بسبب التعرض المستمر لوسائل التواصل الاجتماعي أمرٌ معروفٌ، لكن وصول الأمر إلى فقدان الشغف، وكراهية النفس، والتفكير في الانتحار مؤشرٌ مهمٌّ وخطيرٌ يستدعي مراجعة طبيبٍ أو مختصٍّ نفسيٍّ في أقرب وقتٍ، لأن هذه المشاعر تحتاج إلى دعمٍ وعلاجٍ مهنيٍّ يساعدك على تجاوز هذه المرحلة.

ومع ذلك فإن في حياتك فرصًا كثيرةً لم تضع بعدُ؛ فأنت ما زلت في طريق العلم، وكل يومٍ تقضيه في دراستك يقربك من مهنةٍ عظيمةٍ ينفع الله بها الناس، وبعد التخرج والعمل يعوض الله لك كثيرًا ممَّا تشعر أنك فقدته الآن، بل قد يفتح لك من أبواب الرزق والاستقرار ما لم تتوقعه.

كما أن شعورك بمعاناة أسرتك المادية، وإدراكك أن الأرزاق بيد الله، دليلٌ على قلبٍ حيٍّ، لكنه يحتاج أن يتحول من مجرد فكرةٍ ذهنيةٍ إلى شعورٍ عمليٍّ بالرضا، فالإنسان قد يعيش ظروفًا صعبةً في بداياته ثم تتغير حياته تمامًا بعد سنواتٍ قليلةٍ.

خامسًا: من الخطوات العملية التي قد تساعدك على الخروج من هذه الدائرة:
- تقليل استخدام وسائل التواصل إلى الحد الأدنى.
- تنظيم يومك بين الدراسة والراحة والحركة البدنية.
- محاولة تغيير مكان الدراسة أحيانًا إلى مكتبةٍ أو مكانٍ هادئٍ إن أمكن.
- تقسيم أهدافك الدراسية إلى مهامَّ صغيرةٍ يوميةٍ، بدل النظر إلى الطريق الطويل كله مرةً واحدةً.

كما يفيد:
- أن تحيط نفسك بصديقٍ -أو أكثر- من الجادين في دراستهم، لتذاكروا معًا.
- أن تمنح نفسك وقتًا أسبوعيًّا بسيطًا للراحة أو المشي أو الرياضة؛ لتفريغ الضغط النفسي.
- المحافظة على الصلة بالله بالصلاة، وقراءة شيءٍ من القرآن؛ فهذه الأمور تعيد التوازن الداخلي للنفس.
- تذكَّر أن ما تمر به مرحلةٌ صعبةٌ، لكنها ليست نهاية الطريق، وكثيرٌ من الطلاب المتميزين مروا بمرحلةٍ مشابهةٍ، ثم تجاوزوها وعادوا أقوى ممَّا كانوا.

نسأل الله أن يشرح صدرك، ويبدل همك طمأنينةً، ويمنحك القوة لتجاوز هذه المرحلة، ويكتب لك التوفيق والنجاح في دراستك وحياتك.

www.islamweb.net