أنجذب للنساء وأتعلق بهن تعلقاً لا أجده تجاه زوجتي..فما تفسير ذلك؟
2026-04-19 00:45:31 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
جزى الله القائمين على هذا الموقع المبارك خير الجزاء؛ نظير جهودهم في توجيه الناس وإرشادهم لما فيه خيرهم، وبعد:
أنا شاب ملتزم قاربتُ الثلاثين من عمري، وأعمل إمامًا وخطيبًا لأحد الجوامع في مدينتي، وقبل أن أطرح ما لديّ من أسئلة، أودّ أن أبيّن أنني لا أريد توجيهًا شرعيًا في مشكلتي، فأنا أعلم الحكم الشرعي، ولكنني أطلب توجيهًا نفسيًا، بارك الله فيكم.
مشكلتي – بارك الله فيكم – تكمن في انجذابي الشديد إلى النساء، وتعلّقي بهنّ تعلّقًا لا أجده تجاه زوجتي، وأقصد بذلك مجرد التعلّق القلبي دون حديث أو محاولة تقرّب؛ بل على العكس، أنا ملتزم بالحدود الشرعية في تعاملي معهنَّ، خوفًا من الله، وحياءً، وحفظًا لأعراض المسلمين؛ فما لا أرضاه لأهلي لا أرضاه لهنَّ، لكن القلب لا يُملك، وهذا ما يزعجني؛ كيف أنني لا أجد هذا الشعور تجاه زوجتي، بينما أجده تجاه غيرها؟
وهناك أمور أطرحها لعلها توضّح جانبًا من المشكلة:
أولًا: منذ فترة وأنا أعاني من البرود والفتور بيني وبين زوجتي، وهي بطبعها باردة جسديًا لا عاطفيًا، وأنا على العكس؛ فكلما كنت متجاوبًا عاطفيًا معها كأي رجل، ازدادت رغبتي فيها، لكنها تبقى باردة، فينعكس ذلك عليّ بالإحباط، فهي ترغب في المشاعر دون غيرها، وهذا ما أتعبني.
ثانيًا: شخصيتها حساسة جدًّا وكتومة، ولا تُجيد الحوار، وتميل إلى الصمت عند محاولة النقاش بيننا أحيانًا، بينما أنا على النقيض من ذلك.
ثالثًا: تعاني من بعض الضغوط في حياتها من جهة أهلها، وأنا كذلك أعاني من الأمر نفسه، إضافة إلى ضغوط مادية، ووالله إنني أحاول قدر الإمكان التخفيف عنها ومساندتها، لكن حساسيتها الزائدة تجعل هذه الضغوط تستحوذ علينا، وكأنها سرقت منا حياتنا.
رابعًا: تغيّرت حياتنا تغيّرًا جذريًا بعد قدوم طفلنا الأول، وليس لدينا غيره.
وجّهوني، بارك الله فيكم.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ سائل حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نرحب بك في استشارات إسلام ويب.
لقد أجدت -أيها الكريم- في وصف جوانب مشكلتك، والتي هي خليط بين مشاعر انجذاب عالية تجاه النساء الغريبات، مع فتور في العلاقة الجسدية بينك وبين زوجتك، ترجع أسبابها في نظرك لبرودها الجسدي رغم شخصيتها العاطفية، الذي انعكس بالإحباط عليك، بالإضافة إلى انعكاسات شخصيتها الحساسة والصامتة على علاقتكما بشكل عام، وزاد الأمر حرجًا الضغوطات الخارجية من أهلها وأهلك لأسباب مختلفة.
أخي الكريم، قلت في بداية حديثك: إنك لا تريد أن يكون الطرح من زاوية شرعية لكون هذا الجانب واضحًا لديك؛ ومع ذلك أستأذنك أن أنطلق في كلامي من نقطة شرعية من الصعب تجاوزها أثناء الحديث عن موضوعك، ألا وهي أنه لا خيار لنا في ألَّا نبتلى، فهو أحد العلل الكبرى لوجودنا!
هذا الميل للنساء ليس ممّا يستغرب، بل لو لم يوجد لكان ذلك هو المستغرب؛ هكذا أراد الله لنا أن يجعل مسيرنا إليه مملوءًا بالتحديات؛ {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}.
أعلمُ أنك تعلم كل ما سبق؛ ولكن من المهم أن تنقل هذه المعلومة من دائرة المعرفة المجردة إلى دائرة الاستحضار الدائم المؤثر والمتحكم بسلوكك اليومي، فلن تجد أحدًا يعطيك وصفة تتخلص معها من ميلك وانجذابك الشديد للنساء؛ فهذا معقد من معاقد عبوديتك لله، أن يكون الله إلهك الحاكم على سلوكك؛ والغالب على كل هوى يجعلك عبدًا لغيره، عبدًا للمال «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَتَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ» أو عبدًا للهوى {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} أو غير ذلك من أشكال العبودية لغيره سبحانه وتعالى.
أخي، أرجع بعد هذه المقدمة الضرورية إلى صلب موضوعك لأتناوله من خلال المحاور التالية:
1. صب كل تركيزك على تحسين وضعك الداخلي مع زوجتك، لا على انزعاجك من ميلك الخارجي، وتذكر دائمًا أن اضطراب العلاقة الجنسية بين الزوجين لأي سبب كان له انعكاس خطير على مجمل العلاقة العامة بينهما؛ ممَّا يعني أن إيجاد حل لذلك هو أمر بالغ الأهمية.
2. جزء من المشكلة يكون في عدم إدراك الطرف المقابل لحجم المشكلة والاحتياج عند الطرف الآخر، وربما ظن أن الموضوع داخل في دائرة الأفضل والأرغب والأحسن له وليس في دائرة الضرورة القصوى والاحتياج الهائل، وربما الضرر عليه كذلك؛ ولذلك لا بد من وضع زوجتك في حقيقة معاناتك واحتياجك؛ فقد يكون مجرد بسط معاناتك لها عاملًا مؤثرًا في إعادة تعاملها مع هذا الأمر بصورة أكثر جدية واستجابة.
3. من المهم أن تكون جادًا وشفافًا مع نفسك، راجع تصرفاتك وحالك في إدارة الموضوع الخاص بينكما؛ فقد يكون لخلل ما لديك انعكاس سلبي عليها يؤثر بالتبع على حسن استجابتها لك، هناك بعض التفصيلات الصغيرة، ولكنها مؤثرة للغاية على هذه العلاقة؛ فالنظافة الشخصية، والمقدمات المرغبة، والإشباع العاطفي، والتفضيلات الخاصة، وغيرها ممَّا لا أظنه يخفاك، هو ممَّا لا يُؤثِّر على تجويد الاستجابة فحسب؛ بل يُؤثِّر على قلب الطباع أحيانًا.
4. من الأمور التي يتحرج فيها الكثير من الأزواج، هو الحديث المباشر والصريح مع شريكاتهم في هذا الأمر؛ الحديث الصريح وإن كان محرجًا لكنه يختصر الكثير من الوقت؛ ما تحبه وتكرهه؛ ما يرضيك ويزعجك؛ ما تتمنَّاه وتشتهيه؛ كل هذا وغيره هو ممَّا يسوغ الكلام فيه، وخاصة عند وجود خلل ما متبادل بين الطرفين.
5. من المهم في المقابل، كما أنك تطلب من الطرف المقابل أن يراعي احتياجك؛ أن تُراعي أنت أيضًا ظروفه وطبيعته، وأعني بذلك ألَّا تفترض هذه الجاهزية الدائمة والمرتفعة للاستجابة لك؛ فللمرأة من الظروف والعوارض النفسية ما يُؤثِّر على أدائها واستجابتها ورغبتها بشكل كبير، ولكن من المهم أن تبقى هذه العوارض هي الاستثناء، ولا تتحول إلى الأصل الدائم أو الغالب.
6. هناك حالات معينة يكون لدى أحد الطرفين برود حقيقي وكره حاد للعلاقة؛ ولا يكون سبب ذلك الطرف المقابل، أو أي عوارض خارجية مختلفة، ويكون من الصعب تغيير هذه الصفة، ولكن هذا احتمال ضعيف رغم احتماله، ولهذا السبب ولغيره من الأسباب شرع الله التعدد كمخرج للطرفين تستقيم فيه العلاقة بينهما، دون أن يكون هناك إضرار بالحاجة الفطرية الملحة والضاغطة.
7. ذكرت في وصف زوجتك أنها حساسة للغاية، كما ذكرت أنها تعاني من ضغوط خارجية متعلقة بالأهل؛ وهذا يعني أن احتمالية انعكاس هذه الجوانب على حياتكما الحميمية الخاصة احتمال عالٍ؛ وهذا سيحتاج إلى مراعاة وواقعية من طرفك من جهة، ومحاولة ضبط له من طرفها من جهة أخرى.
8. من الجوانب المهمة والمؤثِّرة على الحياة الزوجية بشكل عام موضوع الحساسية المفرطة، وفي تقديري أنه من المهم أن يتم ضبط هذه الصفة، وأن ترفع من مستوى قدرتها على ضبط مشاعرها وأحاسيسها؛ فإن هذه الصفة من الصفات التي تتعب صاحبها وتتعب من يتعامل معه كذلك، وهي من الصفات التي تصبغ العلاقة بأكملها.
لذلك القراءة الموسعة في طرق التعامل مع الشخصيات الحساسة مهم؛ فالتجنب، والإطفاء، والاهتمام المتوازن، والاستجابة المدروسة، وتغذية العواطف، والإعراض وغيره؛ كل هذا من الوسائل المهمة في التعامل مع الشخصية الحساسة، ويبقى أن قدرتك على استخدام الأسلوب المناسب في الوقت المناسب هو توفيق من الله سبحانه وتعالى.
9. يختبرنا الله دومًا بإظهار ضعفنا وحاجتنا الدائمة له سبحانه؛ ومن أشد مظاهر الضعف التي يبتلينا الله فيها، هي أن يجعلنا قادرين على رؤية الحل دون القدرة على سلوك الطريق الموصل له، فالبصيرة لوحدها لا تُوصلنا إلى ما نريد، وإنما هو العون من الله بالقوة الموصلة إلى ما نريد.
10. لا ريب -أخي الكريم- في أنك تطرق أبواب السماء بالدعاء والرجاء، سائلًا الله سبحانه العون والفرج لِمَا أنت فيه، ولكن تذكر أن تلك الأبواب تُفتح بكثرة الطرق والإلحاح؛ فالله عز وجل يحب العبد الملحاح في دعائه، وكلما كان العبد أكثر انكسارًا بين يدي ربه، وأعظم شعورًا بالافتقار إليه، وأقل تعلقًا بالأسباب الدنيوية، وأكثر تسليمًا وتفويضًا لأمره من حوله وقوته إلى حول الله وقوته وتدبيره؛ كان ذلك أرجى لأن تُفتح له أبواب الإجابة، وتنكشف عنه همومه.
فالله رحيم بعباده، مجيب لدعوة المضطر، ومن علم الله منه صدق النية في العفاف وفقه وأناله مراده، واعلم أنك في مجاهدتك لنفسك وحفظها إنما أنت في عبادة جليلة؛ قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}.
وأخيرًا أخي الكريم: إن لم يؤدِ وضعها في حجم معاناتك إلى تحسين استجابتها لك؛ وجب عليك هنا البحث المشترك بينكما على الحل لهذا البرود وضعف الاستجابة، ولا بد هنا من المصارحة وإن كانت محرجة.
سددك الله ورعاك.