أمي تعرضت لإهانة من ابنة عمي..فهل أصلهم رغم هذا الضرر الذي لحق بها؟
2026-04-20 01:07:21 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هل يجوز قطع رحمي بسبب ذلهم لأمي؟
قبل عدة سنوات توفيت زوجة عمي -رحمها الله- وذهبت أمي لتعزيتهم، ولكن عند تعزيتها لابنة عمي قامت الأخيرة بدفعها وسبها واصفةً إياها بالمنافقة، وادعت أمام الناس أن أمي صرحت بعدم رغبتها في أي علاقة معهم، وبسبب هذه الإهانة قطعناهم، وقد ترتب على ذلك ضرر نفسي لأمي، كما أن عمتي لم تنهَ ابنتها عن هذا التصرف، وكذلك لم يفعل أولادها وبناتها، فهل يجب عليَّ صلتهم وأنا أرى هذا الضرر النفسي الذي لحق بأمي؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -أخي الكريم- في شبكة إسلام ويب، وردًا على استشارتك أقول مستعينا بالله تعالى:
سوف أرد على استشارتك من عدة جوانب عسى الله أن ينفعك بها ويجعلها سببًا لتأليف القلوب وصلة الرحم.
أولًا:حكم صلة الأرحام:
صلة الرحم واجبة، وقطيعتها محرمة، لقول الله تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا يدخل الجنة قاطع رحم".
من وصل رحمه وصله الله، ومن قطعها قطعه الله، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك، قالت: بلى، قال: فذاك لك".
الذين يقطعون أرحامهم يحرمون أنفسهم أجر الصلة في الآخرة، فضلًا عن حرمانهم من خير كبير في الدنيا، وهو طول العمر وسعة الرزق، يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه".
الشرع لا يوجب عليك تحمّل الأذى والذلّ، ولا يطلب منك تعريض نفسك أو أهلك للإهانة غير أن من أوذي فصبر فله الأجر والمثوبة، والرحم تُوصَل بما لا يترتب عليه ضرر معتبر سواء أكان الضرر نفسيًا أو جسديًا.
ثانيًا: ما حصل مع والدتك:
ما حدث لوالدتك من دفع أو سبّ أو إهانة أمام الناس يعد تصرفًا خاطئًا ومؤذٍ جدًا، ولا يُقرّه الشرع، بل هو ظلم واضح، وكان الواجب على أهل تلك الفتاة أن يزجروها في نفس الوقت الذي دفعت فيه والدتك، أو على الأقل أن تعتذر البنت أو أهلها، وعدم حصول أي شيء من ذلك زاد من ألمكم، وهذا أمر مفهوم ومقدر.
ثالثًا: هل يجوز قطعهم بسبب ذلك؟
هذه المسألة فيها تفصيل، فالقطيعة التامة مثل عدم السلام عليهم وعدم السؤال عن أحوالهم أمر لا يجوز، ولا يجوز مقابلة فعلهم بفعل مثله، بل يجب مقابلة الإساءة بالإحسان إليهم وصلتهم، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لذلك الرجل الذي قال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأعطيهم ويحرمونني، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن كان كما تقول فكأنما تسفهم المل"، والمل الرماد الحار، والمعنى: فكأنما ترمي في وجوههم الرماد الحار.
يجوز تقليل الصلة أو ضبطها إذا كانت الصلة الدائمة تسبب الأذى النفسي أو تتسبب في إهانة الزائر، ويمكن الاكتفاء بالسؤال عنهم وعن أحوالهم بالهاتف، أو برسالة نصية، أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومشاركتهم في أفراحهم وأحزانهم دون التعرض لمن يؤذي منهم.
رابعًا: ما يجب عليك تجاه والدتك:
بر والدتك يعد من أعظم القربات، فعليك بمراعاة حالتها النفسية، فإن كانت تتأذى من التواصل معهم، أو يتجدد لها الألم؛ فمن برك بها ألا تجبرها على صلتهم وصيانتها من الأذى.
خامسًا: كيف توازن بين الصلة والقطيعة:
1- لا تقطع أرحامك هؤلاء، بل استمر في صلتهم حتى لو أخطؤوا على والدتك فحافظ على الحد الأدنى في الصلة حتى يشملك اسم الصلة، ولا تكون قاطعًا، وذلك كإرسال رسالة والسلام عليهم والسؤال عليهم.
2- لا تعرّض والدتك للأذى، ولا تفرض عليها زيارات، ولا تذكّرها بما يؤلمها؛ فذلك من برك بها.
3- إن أمكن أن تصلح بين والدتك وبين أرحامك فالإصلاح خير، ويجوز في هذه الحال أن تقول لوالدتك هؤلاء الأرحام يذكرونك بخير ويتمنون أن تتصالحوا وتعود اللحمة الأسرية بينكم حتى ولو لم يقولوا ذلك، فالكذب في الإصلاح جائز، فإن وجدت منها قبولًا فاذهب إلا أرحامك فقل لهم إن أمي تذكركم بخير وتثني عليكم وتود لو أنكم تصالحتم ونسيتم ما حدث من قبل، فإن تقبلوا الكلام وسروا به فتوكل على الله واجمع بينهم واجعلهم يتصافحون ويسامح بعضهم بعضًا.
4- اجعل نيتك التوصل إلى الصلح ولا تنو القطيعة، بل صل رحمك قدر استطاعتك بما لا يلحق بك ضررًا، ولا تربط ما حدث لوالدتك وقطعك لهم.
5- بر أمك مقدم على صلة الأرحام إن غضبت وقالت لا تذهب إليهم، والجمع بين الأمرين هو الأكمل والأفضل، وإن ذهبت لصلتهم فلا تخبر والدتك بذلك حتى لا تمنعك.
سادسًا: أمر مهم للغاية:
ليس مطلوبًا منك أن تتقبل الإهانة أو تتصرف وكأن شيئًا لم يحدث، لكن المطلوب منك أن لا تقابل الخطأ بخطأ أكبر منه وهو القطيعة التامة.
نسأل الله تعالى أن يؤلف بين القلوب، وأن يصلح الشأن، ويعينك على تقريب وجهات النظر إنه سميع مجيب.