ابنتي تنفق راتبها في أشياء غير ضرورية، فكيف أعلمها حسن التدبير؟
2026-04-20 01:57:47 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله.
ابنتي بعد أن استلمت عملها تريد الاحتفاظ بمرتبها لنفسها، لتنفق كما تشاء في الأكل والشرب خارج المنزل، وأيضاً في شراء بعض الأشياء التي أراها غير ضرورية، كأنواع الكريمات والشامبوهات وخلافها.
أنا أريد أن أعلمها حسن الإنفاق والترشيد بأخذ مرتبها، وتسحب مني أولاً بأول، ولكنها ترفض ذلك، وكانت منذ صغرها تحب الأموال كثيراً، حتى إنها كانت تأخذ من محفظتي أموالاً دون أن أعرف، ولكنني كنت أعلم ذلك وتغاضيت عنه، وعلمتها أن الصحيح أن تطلب ما تشاء، وأنا أقول لها ما ينفع وما يضر.
أخشى الضغط عليها في أخذ مرتبها، فماذا أفعل لإقناعها بذلك؟ بالمناسبة، أنا أجهزها للزواج من الألف إلى الياء دون أن تشارك في تجهيز نفسها، ولا أريد منها ذلك، فماذا أفعل؟ أثابكم الله.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ حمدي حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكركم لتواصلكم معنا وثقتكم بموقعنا.
فهمنا من رسالتك أخي الكريم أنك تعيش قلقًا حقيقيًا على مستقبل ابنتك المالي، وأنك تريد تعليمها حسن التدبير والانفاق؛ وهذا دليل على عمق حبك لها وحرصك على مصلحتها، غير أن الطريقة التي تفكر بها لتحقيق ذلك تحتاج إلى مراجعة هادئة ومتأنية.
أول ما ينبغي أن نضعه بوضوح أمامنا: ابنتك امرأة بالغة راشدة تعمل وتكسب رزقها بيدها، ومرتبها هو ملكها وحدها في الشريعة الإسلامية، ولا يحق لأحد إجبارها على التنازل عنه أو التصرف به وفق ما يراه غيرها، فالمرأة في الإسلام تملك أهليتها المالية الكاملة، يقول الله عز وجل: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَاۤءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكۡتَسَبۡنَۚ﴾ (النساء:32)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده) رواه البخاري.
وهنا يكمن جوهر المسألة، الهدف الذي تسعى إليه وهو تعليمها حسن الانفاق هدف نبيل ومشروع، لكن الوسيلة المختارة وهي أخذ المرتب والصرف منه بإذنك ستُفضي على الأغلب إلى نتيجة عكسية؛ إذ ستشعر ابنتك بالقيد والإهانة بدلًا من أن تتعلم الرشد، وقد تتمسك بموقفها رفضًا للوصاية، لا دفاعًا عن الإسراف.
ولفت انتباهنا ما ذكرته عن طفولتها، وأخذها الأموال من محفظتك، وهذا في الغالب كان تعبيرًا عن حاجتها لشيء لم تجد الطريق الصحيح للوصول إليه، وتغاضيك عنه دون معالجة حقيقية لمنطق التعامل مع المال أسهم في ترسيخ علاقة غير صحية بينها وبين موضوع الانفاق، والآن تدفع ابنتك ثمن سنوات لم تُبنَ فيها ثقافة مالية سليمة بطريقة عملية وتدريجية.
من الأمور التي ستعينك بإذن الله على التعامل مع هذا الوضع:
أولها: أن تترك لها حرية التصرف بمرتبها كاملًا، وتنتقل من دور الرقيب إلى دور الناصح المحب؛ فالثقة بالأبناء تفتح أبوابًا لا تفتحها الوصاية أبدًا.
وثانيها: أن تجري بينكما محادثة هادئة تشاركها فيها لا توجيهًا، بل تجربتك الحياتية، تحدثها عن أهمية الادخار من منطلق الحكمة لا الأمر، واستعمل أسلوب: أنا خبرت وتعلمت أن...بدلًا من: يجب عليك أن...
وثالثها: اقترح عليها برفق أن تخصص نسبة معينة من مرتبها للادخار، وأخرى للمصاريف الشخصية؛ وهذا يعطيها الشعور بالاستقلالية، ويبني عادة الادخار في الوقت ذاته، فإن قبلت فبها ونعمت، وإن رفضت فاصبر وانتظر، فالأفكار الجيدة تنضج ببطء.
ورابعها: أعد النظر في موضوع تجهيز الزواج من الألف إلى الياء دون مشاركة منها؛ فهذا الكرم الزائد ربما يُعمق لديها الشعور بأن الأموال تأتي دون جهد، والأفضل أن تشركها في تكاليف جهازها ولو بمبلغ رمزي بسيط؛ لا لأنك محتاج لمالها، بل لتعليمها المعنى الحقيقي للمسؤولية وتملك الأشياء.
وخامسها: ادعُ لها في ظهر الغيب؛ فالدعاء سلاح لا يُقدَّر بثمن، وقد كان الصالحون يُخبرون أن أثر دعاء الوالدين في تغيير أحوال الأبناء لا ينكره من جرّبه.
قال الشاعر:
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَزْرَعْ وَأَبْصَرْتَ حَاصِدًا نَدِمْتَ عَلَى التَّفْرِيطِ فِي زَمَنِ الْبَذْرِ
فالزرع بالكلمة الطيبة، والقدوة الحسنة، والثقة المبنية على الحب هو الذي يؤتي أكله في النهاية، أما قطع ثمرة الجهد عن صاحبها فلن يُنتج غير الجفاء والبُعد.
أخي الكريم: إن شعرت أن الحوار بينك وبين ابنتك قد بلغ حائطًا مسدودًا، أو أن العلاقة بينكما فيها توتر أعمق مما يبدو، فلا بأس من اللجوء إلى مستشار أسري متخصص يجلس مع الطرفين، ويفتح نافذة للتفاهم، وهذا من الحكمة، وليس من الضعف.
نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل، وأن يصلح لك ذريتك، ويجعلها قرة عين لك في الدنيا والآخرة.