تعرضت لاحتيال وأصبحت عاطلاً عن العمل مما جعلني أفكر في الانتحار!!
2026-06-16 04:42:58 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تخرجتُ في الجامعة تخصص تقنية المعلومات، أديتُ مناسك العمرة مع والدي قبل عام، بيد أننا تعرضنا لعملية احتيال ونصب؛ جراء الثقة المفرطة والزائدة عن الحد في شخص لم يكن جديراً بها، ولكن قدر الله وما شاء فعل، وتسبب هذا الاحتيال في تفويت فرصة عمل كانت مقدرة لي، وللأسف لم يُكتب لي فيها نصيب، وأنا الآن عاطل عن العمل منذ أكثر من سنة، والمحيط الذي أعيش فيه سيئ إلى أبعد حد، بل قد يكون أقرب في وصفه إلى الجحيم؛ نظراً لشدة العذاب والقهر اللذين نكابدهما فيه.
بناءً على ذلك: منحتُ نفسي مهلة مئتين وثمانية وأربعين يوماً بدءاً من اليوم، فإن لم أجد خلالها وظيفة تناسبني، فسأنهي حياتي؛ فما الجدوى من هذه الحياة إن كان كل مسعى لتقديم الأفضل وإصلاح الأحوال يبوء بالفشل ولا يتغير أمامي شيء؟
أنا إنسان متعلم، لكنني لم أحظ بفرصة منصفة بسبب المحسوبية (الواسطات) والمجتمع المجحف الذي أعيش فيه.
في النهاية، هذه رسالتي الأخيرة؛ إن أردتم الرد فلكم مطلق الحرية، وما عدا ذلك فقد عقدتُ العزم في قلبي، وكأن شيئاً لن يتغير.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ علي حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نرحب بكَ -أخي الفاضل- عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لكَ تواصلك معنا بهذا السؤال، والذي آلمني حقيقةً كما آلمكَ، وأنا متأكدٌ أنه لم يكن من السهل أن تكتب هذا السؤال؛ فالحياة عزيزةٌ -كما تعلم- على الإنسان، إلَّا أن الظروف قد تضغط على الإنسان لحدٍّ يعاف معها الحياة، كما في قصة مريم -عليها السلام-: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا}.
إلَّا أنه -أخي الفاضل- كما تعلم -وأنت ولله الحمد متعلمٌ مثقفٌ- أن الحياة نعمةٌ من الله عز وجل، هو الذي يعطينا إياها وهو الذي يأخذها عندما يحين أجلنا، ولا أظن أنك تحتاج مني أن أذكرك بهذا.
أخي الفاضل، نعم كما ذكرت قد تشتد الظروف، كما حصل معك عندما تعرضتَ أنتَ ووالدكَ للنصب، والذي من خلاله فقدتَ أو خسرتَ فرصة العمل الذي كان ربما مقدرًا لكَ، والحياة -أخي الفاضل- فيها الكثير من هذه الأمور، إلَّا أن هذه الأمور من المفترض أن تقوي عزيمتنا لا تُضعفها، ومن خلال التجارب الكثيرة أحيانًا يُغلق في وجهنا بابٌ فتُفتح أبوابٌ في جهاتٍ أخرى.
لا أدري -أخي الفاضل- لماذا أعطيتَ نفسك مدة مئتين وثمانية وأربعين يومًا فقط!
أخي الفاضل، كما تعلم هناك شبابٌ في العالم العربي خريجون، إلا أنهم لم يجدوا فرصةً للعمل، وهذا تحدٍّ كبيرٌ لنا جميعًا، إلَّا أن الحل ليس بالخروج والهروب، وإنما بالمثابرة ومتابعة الطريق.
ربما الله عز وجل مقدرٌ لك عملًا أفضل من الذي فاتك، وبظروفٍ أفضل يُخرجك من هذا الوضع الذي أنت فيه الآن، والذي وصفته بأنه سيئٌ إلى أبعد حدٍّ، ما يدريك -أخي- أن الله عز وجل مُعدٌّ لك شيئًا أفضل من هذا العمل؟ والله تعالى معطاءٌ كريمٌ، فلا نفقد الأمل بالله عز وجل، والله تعالى يقول: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}.
ألاحظ من سؤالك أنك متدينٌ قريبٌ إلى الله عز وجل، وما العمرة التي قمتَ بها إلا شيءٌ من هذا التدين والعلاقة بالله عز وجل، فأرجوكَ أرجوكَ أن تُعيد التفكير في هذه المدة التي أعطيتها لنفسك، افتح الباب واسعًا، أخي الفاضل.
إن لم تحصل على العمل الذي تتمنى قريبًا؛ فلا بأس أن يعمل الإنسان أعمالًا بسيطةً وإن كان الدخل محدودًا؛ فهذا أفضل من البقاء في البيت والانتظار؛ لأن الانتظار صعبٌ جدًا.
وأمرٌ آخر مفيدٌ: أن تختلط بالناس، وتبني شبكة علاقاتٍ مع الآخرين، سواءٌ كانوا جيراناً أو أصدقاء أو معارف؛ فكثيرٌ من الناس يجدون الأعمال من خلال المعارف الشخصية، هكذا هي الأمور في بعض الأحيان، وهذا لا يمنع في نفس الوقت بل هو مطلوبٌ أن تُقدِّم طلب عملٍ لأكثر من جهةٍ، لا تُرسل إلى جهةٍ واحدةٍ وتنتظر، بل قَدِّم على عملٍ أو وظيفةٍ إلى مناطق مختلفةٍ سواءٌ داخل البلد أو خارجها؛ فلعل الله عز وجل يكتب لك ما يَسُرّك، ويخرجك من هذا الوضع السيئ الذي شرحته إلى عملٍ طيبٍ بإذن الله عز وجل.
أخيرًا -أخي الفاضل-: وأنت تقوم بكل هذا، حاول أن يكون لديك نمط حياةٍ صحيٍّ قدر الإمكان من ناحية النشاط البدني، فأنت ما شاء الله في هذا العمر من الشباب -الرابع والعشرين- فلا بد من النشاط البدني -الرياضة أو المشي-؛ فالنشاط البدني يُفرز هرموناتٍ تساعدنا على متابعة الطريق وتحمل التحديات، وأيضًا أضف إليها ساعات نومٍ كافيةٍ، وتغذيةً صحيةً مناسبةً، والحياة الاجتماعية، وكل هذا بعد المحافظة على العبادة والصلاة والقرب من الله عز وجل.
أدعو الله تعالى أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويفتح لك الطرق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
_________________
انتهت إجابة د. مأمون مبيض -الاستشاري النفسي-،
وتليها إجابة د. أحمد الفودعي -استشاري الشؤون التربوية والشرعية-.
_________________
أولًا: نشكر لكَ تواصلك بالموقع وثقتكِ فيه.
ثانيًا: نسأل الله تعالى أن يخلف عليكم، وأن يعوضكم خيرًا عما فقدتم بسبب احتيال هذا المحتال وأخذه لمالكم بغير حقٍّ.
واعلَم -أيها الحبيب- أن ما حصل لكم إنما هو قدر من أقدار الله تعالى المؤلمة التي يختبر الله تعالى بها صبركم، فيُقدِّر لكم من الآثار والعواقب الحميدة ما يعوضكم بأفضل ممَّا فقدتم؛ فالله تعالى رحيم بعباده، فينبغي أن تُذكِّر نفسك بهذه المعاني العظيمة، فتتذكَّر جزاء الصابرين، فقد قال الله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
وأفضل ما يُعطاه الإنسان في هذه الحياة الصبر، كما قال الرسول ﷺ: «وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ»، وما يُعينك على الصبر هو أن تتذكَّر أن الله تعالى لا يقدر شيئًا عبثًا، ولا يفعل شيئًا سُدًى، إنما يفعل الحكمة، ومن هذه الحكم أنه سبحانه يريد أن يبلغ عبده المسلم مراتب في الثواب، ومراتب في الجنان، فلا يبلغها الإنسان بعمله، فيقدر الله تعالى عليه من المصائب والآلام ما يبلغه تلك المنازل إذا هو صبر واحتسب.
فلا تجمع على نفسك المصيبتين: مصيبة فقد المال أو الأشياء المحبوبة في الدنيا، وفقد الثواب والجزاء في الآخرة؛ فإن العاقل لا يفعل هذا، بل ينبغي أن تكون حريصًا على مصلحة نفسك، فقد قال الرسول ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ».
واعلم أيها الحبيب أن رزقك مكتوب ومقدر، وأنه سيأتيك لا محالة، فخذ بالأسباب الشرعية المباحة في طلب رزقك، وسيجعل الله تعالى لك مخرجًا، ثم احرص على أن تتقي ربك؛ فإن تقوى الله هي مفتاح الفرج، كما قال الله: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}.
والإنسان حينما يعصي ربه ويظلم نفسه إنما يجني على نفسه، ولا يضر الله تعالى شيئًا، فاحذر كل الحذر من أن يستدرجك الشيطان للوقوع في معصية الله، فتجمع إلى آلام الدنيا آلام الآخرة، وخاصة هذه الجريمة الكبيرة التي يحدثك بها الشيطان، ويرغبك فيها، ويزينها لك، وهي جريمة قتل النفس والانتحار للتخلص من هذه الآلام، في ما يحاول أن يزينه لك الشيطان.
والحقيقة أن الانتحار إنما هو انتقال من آلام صغيرة إلى آلام كبيرة دائمة؛ فكل من قتل نفسه يعذب في النار، كما أخبر بذلك الرسول ﷺ، ويعذب بنفس الطريقة التي قتل بها نفسه في الدنيا؛ فمن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالِدًا مخلَّدًا فيها أبدًا -هكذا ورد في الحديث-، ومن تناول سُمًّا فإنه يعذب في نار جهنم بتناول ذلك السم خالِدًا مخلَّدًا فيها أبدًا.
فأي راحة إذًا في أن يعتدي الإنسان على نفسه هذا الاعتداء العظيم، ويرتكب هذا الذنب الكبير؟! فاحذر أن يستدرجك الشيطان إلى هذه الغواية، فليست إلا مزيدًا من الآلام والعذاب، فلا تسخط ربك وتظلم نفسك، وتوجه إلى الله تعالى بصدق واضطرار أن يفتح عليك؛ فخير الله تعالى عميم وفضله كبير، واسأله أن يصبرك، وأن يعينك على الاحتساب.
وخير ما نوصيك به -أيها الحبيب- أن تتعرف على الناس الصالحين والرجال الطيبين، فتحاول الجلوس معهم والإكثار من التواصل بهم؛ فإنهم باب السعادة وانفتاح الخيرات.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقك لكل خير.