لا أستطيع التجاوب مع والدتها بسبب معاملتها السابقة لي، فما الحل؟

2026-06-16 03:34:11 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نشكركم دائمًا على حسن اهتمامكم.

مشكلتي هي مشاعري تجاه والدتي، فهي طوال عمري تعاملني بجفاء مطلق، وتفرق بيني وبين إخواني، ولغتها جافة، ولسانها سام، وعلاقتنا رسمية، ولكنها مؤخرًا بدأت تحاول إصلاح العلاقة من جانبها.

لا أنكر أنني أشعر بالاشمئزاز والاستغراب، وأحس أن كل هذا تمثيل، وأنها ستعود إلى حقيقتها بعد مدة، لأن ذلك قد حدث من قبل، ولكن هذه المرة طالت المدة، فهي تحاول أن تكلمني، وتدخل إلى نقاط ضعفي كي تجعلني أتحدث، وتحاول بكل السبل إصلاح العلاقة، لكنني لم أعد أريد ذلك.

فكل ما أذكره من طفولتي هو تعاملاتها معي، وطبعًا السيئ منها؛ لأن الجيد لا أكاد أتذكره، ولا أعلم لماذا لا أتذكره، هل لأن السيئ طغى عليه، أم لأن الجيد لم يكن كثيرًا؟ ولا أخفيكم أنني تعودت على طبيعتها القديمة، ولم أعد أهتم، فقد أصبحتُ أُمًّا لنفسي، ولا أحتاج إلى أحد.

قولوا لي: كيف يمكنني التعامل مع الأمر؟ مع الأخذ بعين الاعتبار -كما ذكرت سابقًا- أنني لا أستطيع التجاوب معها، ولا أتقبل مشاعرها، وأرى أن كل ذلك تمثيل من أجل شيء تريده مني.

ولا أعلم إن كنت أستطيع أن أوضح لها مباشرة أنني لا أريد ذلك، أم ما هي الخطوة التي يمكن أن تعيد المياه إلى مجاريها، ويعود كل شيء إلى طبيعته وإلى ما كان عليه؟

فأنا لم أعتد هذا الاهتمام، ولذلك أراه الآن غريبًا ودخيلًا على حياتي، ولا أستطيع تقبله.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سائلة .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختي الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياكِ إلى صالح القول والعمل.

أختي الفاضلة، إن ما تصفينه من مشاعر تجاه والدتك، بعد سنوات من الجفاء وسوء المعاملة يُعد طبيعيًّا إلى حد كبير، كرد فعل نفسي؛ فالإنسان إذا عاش فترة طويلة وهو يتلقى مشاعر القسوة أو التمييز أو الأذى اللفظي، فإن قلبه يتعلّم الحذر والتحفّظ، ولا يستطيع أن ينتقل فجأة من الألم إلى الطمأنينة، ولا من السخط إلى الرضا، ولا من النفور إلى المحبة، ولهذا فإن شعورك بالتحفظ أو الشك أو النفور ليس أمرًا مستغربًا.

ونحن ندرك تمامًا حجم الألم الذي قد تتركه بعض التصرفات الخاطئة من الوالدين في نفوس أبنائهم، وكيف يمكن أن تحفر في القلوب جراحًا عميقة تبقى آثارها سنوات طويلة، وربما تمتد إلى مراحل متقدمة من العمر، ولكن اسمحي لي أن أسألك بعض الأسئلة التي تستحق التأمل الصادق:

• إلى متى ستستمر هذه المشاعر السلبية؟
• وإلى متى سيظل هذا الجفاء قائمًا بينك وبين والدتك؟
• وما الثمرة التي ستجنينها من الاستمرار في حمل هذا الألم والتفكير الدائم في الماضي؟
• أيهما أفضل لك: أن تبدئي مع والدتك صفحة جديدة وحياة مختلفة، أم أن تبقي أسيرة للماضي المؤلم كل يوم؟
• ولماذا لا تكون هذه المحاولة مختلفة عن كل ما سبق؟

أختي الكريمة، هناك أمر مهم جدًّا ينبغي استحضاره، وهو أن منزلة الوالدين تختلف عن منزلة أي شخص آخر في الحياة، فالعلاقة مع الوالدين ليست كالعلاقة مع الأصدقاء أو الأقارب أو غيرهم من الناس، والداكِ هما أقرب الناس إليكِ، وستُسألين عن حقهما يوم القيامة، وقد جعل الله تعالى العقوق من أعظم الكبائر؛ لِمَا يترتب عليه من محق البركة وذهاب التوفيق ونزع الخير من حياة الإنسان، ولذلك ينبغي الحذر الشديد من أن يتحول هذا النفور القلبي إلى صور من العقوق أو التقصير في الحقوق الواجبة.

ولقد أمر الله -سبحانه وتعالى- ببر الوالدين والإحسان إليهما حتى في أشد الظروف وأقساها، وهي الحالة التي يجاهد فيها الوالدان أبناءهما ليصرفوهما عن الإيمان إلى الكفر بالله تعالى، وهو أعظم الذنوب وأشدها خطرًا، قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}.

فتأملي كيف أن الله تعالى، مع وجود هذه المجاهدة العظيمة على الشرك، أمر بحسن الصحبة والمعاشرة بالمعروف والإحسان، وما ذلك إلا لعظم مكانة بر الوالدين وعلو شأنه في الإسلام، فقد جاء في صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- أنها قالت: «قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ فَقَالَ: نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ».

وفي هذا الحديث جانب يشبه حالتك من بعض الوجوه؛ فأسماء -رضي الله عنها- كانت تبغض ما عليه أُمُّها من الكفر والشرك، ومع ذلك فإن الأم جاءت راغبة في الصلة والبر والإحسان، فأرشدها النبي ﷺ إلى أن تَصِلْ أُمّها وتُحسن إليها، وهذا يدل على أن حسن المعاملة والبر والإحسان، لا يشترط له وجود مشاعر المحبة الكاملة في القلب، وإنما هو سلوك شرعي وأخلاقي يؤديه المسلم امتثالًا لأمر الله تعالى.

وعليه: فإن الإحسان إلى والدتك وحسن معاملتها، وصلتها بما تقدرين عليه واجب لا يسقط بحال من الأحوال، أما مشاعر المودة والمحبة القلبية، فهي أمر يحتاج إلى وقت ومجاهدة وصبر، حتى تلتئم الجراح القديمة وتزول آثارها شيئًا فشيئًا، ولا يتعارض ذلك أبدًا مع حسن التعامل والقيام بالحقوق الواجبة.

أختي الفاضلة، إن تأثر النفس بتجارب الماضي قد يكون عميقًا وقاسيًا وطويل الأمد، ولكن مع إقبال والدتك عليكِ ومحاولتها إصلاح العلاقة وتعويض ما مضى، فما دامت والدتك قد أقبلت عليكِ بقلب نادم ورغبة صادقة في الإصلاح والتعويض، فلماذا لا تحاولين النظر إلى العلاقة من زاوية مختلفة لتساعدي نفسك على الخروج من هذا الألم:

• فربما كانت والدتك تمر بظروف صعبة لم تكوني تعلمينها.
• وربما كانت تعاني ضغوطًا أو مشكلات نفسية أو أسرية أثرت في طريقة تعاملها مع أبنائها.
• وربما كنتِ أنتِ شديدة الحساسية تجاه بعض المواقف، فبدت لكِ أكبر مما كانت عليه في الواقع.

وحتى لو افترضنا أن التمييز قد وقع فعلًا بينك وبين أخواتك، فلا شك أن ذلك خطأ تربوي وشرعي لا يجوز، لكن قد يكون سببه جهلًا، أو سوء تقدير، أو ظروفًا معينة لم تُحسن والدتك التعامل معها، وربما كانت بعض مواقف الشدة والقسوة نابعة من حرص زائد، أو خوف شديد عليكِ، لكنها لم تكن تملك المهارة المناسبة للتعبير عن هذا الحرص بطريقة صحيحة.

لذلك حاولي أن تنظري إلى الماضي من زوايا متعددة، لا من زاوية واحدة فقط؛ فكثيرًا ما تدفعنا التجارب المؤلمة إلى تفسير كل الأحداث بمنظار الألم ذاته، فنعمم الأحكام السلبية على كل المواقف بسبب مجموعة من التجارب السابقة.

أختي الكريمة، إن صحتك النفسية من أعظم النعم التي ينبغي المحافظة عليها؛ لأنها تؤثر في جميع جوانب الحياة تقريبًا، واستمرار حمل هذا الألم واستحضاره بصورة دائمة مع أمك التي تعيش معكِ دائمًا؛ سينعكس سلبًا على استقرارك النفسي وعلاقاتك وحياتك عمومًا.

ولهذا فإن من المهم أن تتعلمي فن التسامح والعفو وتجاوز الإساءة، لا لأن الخطأ لم يقع، ولكن لأنكِ أنتِ أول المستفيدين من التحرر من أعباء الماضي، فالعفو من شيم الكرام، والتسامح من أعظم الأخلاق، وهو من أكثر الأمور التي تمنح القلب سكينة وصفاء وراحة.

أختي الفاضلة، من المؤلم أن كثيرًا من الناس لا يدركون قيمة المسامحة إلَّا بعد فوات الأوان، حين يرحل الأب أو الأم وتنتهي فرص الإصلاح، ويُغلق باب عظيم من أبواب الجنة، وهو باب بر الوالدين، عندها يستيقظ الندم في القلوب، ويتساءل الإنسان: هل كان كل هذا العناد يستحق؟ وماذا جنيت من سنوات الجفاء والخصام؟ وهل عوضني ذلك عن لحظة واحدة من البر والإحسان؟

لذلك بادري -أختي الكريمة- إلى فتح صفحة جديدة مع والدتك، واجعلي أساس علاقتك بها هو ابتغاء مرضاة الله تعالى، فإذا كان دافعك هو رضا الله، فإنكِ ستجدين من التوفيق والسكينة ما لا يخطر لكِ على بال، والله سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

وأود أن أؤكد لكِ أن مشاعر القلب ليست ثابتة على حال واحدة، بل تتغير وتتبدل مع الزمن، فكثير من العلاقات انتقلت من النفور إلى المودة، ومن الجفاء إلى الألفة، عندما توفرت النية الصادقة والحوار الصريح.

ولهذا أنصحكِ أن تجلسي مع والدتكِ جلسة هادئة وصادقة، يسودها الاحترام والرغبة في الفهم المتبادل، وأن تتحدثا بصراحة عن الأسباب التي أدت إلى تلك المشاعر والتجارب المؤلمة، لا على سبيل اللوم والمحاكمة، ولكن على سبيل الفهم وإزالة سوء التفاهم؛ فمثل هذا الحوار قد يفتح أمامكِ زوايا جديدة لفهم كثير من المواقف التي كنتِ ترينها قسوة أو تمييزًا، بينما كانت لها تفسيرات أخرى لم تكوني على علم بها، وهذه فرصة عظيمة لتنقية القلب من الأحقاد والضغائن، وإعادة بناء العلاقة على أسس جديدة من الفهم والرحمة.

أختي الفاضلة، مهما حدث تبقى الأم أمًّا، وتبقى من أكثر الناس حرصًا على مصلحة أبنائها، وإن أخطأت أحيانًا في أسلوبها أو قصرت في بعض واجباتها، حاولي أن تنظري لكل الماضي من هذا الجانب؛ لتعيشي جمال السلام الداخلي والطمأنينة في قلبكِ، وتقبّل الحياة الجديدة.

وأخيرًا: أكثري من الدعاء واللجوء إلى الله تعالى، واسأليه أن يهديكِ سواء السبيل، وأن يشرح صدركِ للخير والحق، وأن يعينكِ على بر والدتكِ والإحسان إليها، وأن يصلح ما بينكما، ويؤلف بين قلبيكما، ويجعلكِ من البارين المحسنين الذين ينالون رضاه وجنته.

وفقكِ الله، ويسر أمركِ.

www.islamweb.net