دعوت الله كثيرًا أن يكون من نصيبي فتقدم لي ولم يتم الأمر، فما سبب ذلك؟

2026-06-15 23:28:17 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أعجبني شاب وأحببته، ولم تكن بيننا أي علاقة أو تواصل خاص، وكنت أواظب على الصلاة والدعاء بأن يكون من نصيبي، كما صليت صلاة الاستخارة، وبعد فترة فوجئت به يخبرني أنه يحبني ويرغب في التقدم للزواج مني، وبالفعل أرسل أهله للتقدم لخطبتي.

لكن بعد ذلك بدأت تظهر مشكلات وعقبات، وأصبح يخبرني بين الحين والآخر بوجود أسباب تحول دون إتمام الزواج، ومع ذلك واصلت الدعاء وصلاة الحاجة، إلَّا أن الأمور كانت تزداد تعقيدًا بدلًا من أن تتيسر.

وفي النهاية أخبرني أن هناك سببًا يراه هو وأهله مانعًا من الزواج، وأن هذا السبب لا يمكن تجاوزه بالنسبة لهم، ولذلك أصبح الزواج بيننا مستحيلًا، وعندما سألته عن هذا السبب رفض الإفصاح عنه.

ثم بدأ يبتعد عني تدريجيًا، إلى أن أخبرني في آخر حديث بيننا أنه لا يستطيع الاستمرار، وأن الأمر أصبح مستحيلًا، إلَّا بمعجزة إلهية أو بحدوث ظرف استثنائي، وهو وفاة أحد الأطراف.

سؤالي هو: لقد صليت كثيرًا ودعوت الله أن يكون هذا الشخص من نصيبي، فإذا لم يكن مقدرًا لي من الأصل، فلماذا أحبني وتقدم لخطبتي؟ وهل ما حدث يعني أنه ليس من نصيبي فعلًا؟

وإذا واصلت الدعاء والصلاة، فهل يمكن أن تتغير الأمور، أم أن استمرار تعقدها يدل على أن عليَّ التوقف عن التعلق بهذا الأمر، والتسليم بأنه ليس من نصيبي؟ فأنا ما زلت أواظب على صلاة الحاجة والدعاء، لكنني ألاحظ أن العقبات تزداد يومًا بعد يوم.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Rama حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فأشكر لكِ صراحتكِ، وأسأل الله تعالى أن يربط على قلبكِ، وأن يعوّضكِ خيرًا، وأن يُقدِّر لكِ ما فيه سعادتكِ في الدنيا والآخرة.

أختي الفاضلة، أكثر ما لمسته في رسالتكِ أنكِ لا تسألين عن شخص فحسب، بل تسألين عن معنى الاستخارة والدعاء والقدر، وتحاولين فهم ما جرى لكِ من خلال علاقتكِ بالله تعالى، وهذا في حد ذاته باب خير عظيم.

أول ما أود أن أطمئنكِ إليه: أنَّ ما حدث لا يعني أن دعاءكِ لم يُستجب، ولا أن استخارتكِ لم تكن صحيحة، ولا أن الله تعالى لم يسمع لكِ، فكثير من الناس يظنون أن استجابة الدعاء تعني حصول الشيء بعينه، بينما الحقيقة أن الله تعالى قد يستجيب الدعاء بصور متعددة، وقد يكون من أعظم الاستجابة أن يصرف عن العبد أمرًا تعلق به قلبه وهو لا يعلم ما وراءه، قال تعالى: {وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.

ومن المهم أن تعلمي أن كون هذا الشاب أحبكِ وتقدم إليكِ رسميًّا ثم تعثرت الأمور بعد ذلك، لا يعني أنه كان من نصيبكِ ثم خرج من نصيبكِ، ولا يعني أن الدعاء أخطأ طريقه، وإنما يعني أن الله تعالى قدّر أن تمرّي بهذه التجربة لحكمة يعلمها سبحانه؛ فنحن لا نعرف النصيب إلا بعد وقوعه واكتماله، أمَّا قبل ذلك فكلها أسباب تجري وفق قدر الله تعالى.

ولعل من أكثر ما أتوقف عنده في رسالتكِ: أن هذا الشاب نفسه صار يخبركِ مرارًا بوجود موانع وعقبات، ثم انتهى به الأمر إلى التصريح بعدم قدرته على الاستمرار، وبدأ يبتعد شيئًا فشيئًا، وهذه إشارات واقعية ينبغي ألا يتجاهلها القلب مهما كانت قوة التعلق أو كثرة الدعاء.

أختي الكريمة، الاستخارة ليست أن يرى الإنسان رؤيا، ولا أن يشعر بانشراح دائم، وإنما من أعظم ثمراتها أن ييسّر الله تعالى الخير إن كان خيرًا، أو يصرف العبد عنه إن لم يكن خيرًا له، وقد ذكر أهل العلم أن من علامات الاستخارة أن يمضي الأمر أو ينصرف بعد بذل الأسباب.

ولهذا أنصحكِ ألا تجعلي زيادة العقبات وحدها دليلاً قاطعًا على أن الأمر ليس خيرًا؛ فكم من أمر صالح احتاج إلى صبر ومجاهدة حتى تمَّ، لكن في المقابل، إذا اجتمعت العقبات مع تراجع الطرف الآخر نفسه، ومع إعلانه عدم القدرة على الاستمرار، ومع ابتعاده المتدرج، فهنا يصبح من الحكمة أن تعيدي النظر في مقدار تعلقكِ بالأمر.

وأريد أن ألفت انتباهكِ إلى نقطة تربوية مهمة: أحيانًا يتحول الدعاء من عبودية لله تعالى إلى تعلق بصورة معينة للحياة، فيصبح الإنسان لا يطلب الخير من الله تعالى بقدر ما يطلب شخصًا بعينه، والمؤمن مأمور أن يكون قلبه معلقًا بالله سبحانه قبل تعلقه بالأسباب.

لذلك بدلًا من أن يكون دعاؤكِ: "اللهم اجعله من نصيبي مهما كان"، اجعليه: "اللهم إن كان خيرًا لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري فقدره لي ويسره لي، وإن لم يكن خيرًا فاصرفه عني واصرف قلبي عنه، وعوضني خيرًا منه".

ومن الناحية العملية أوصيكِ بعدة أمور:
• خففي من متابعة أخبار هذا الشاب أو التفكير المستمر في مواقفه وكلماته الأخيرة.
• لا تحاولي البحث عن السبب الذي أخفاه أو استنزاف نفسكِ في تفسيره؛ فربما لو عرفتِهِ لما غيّر شيئًا من الواقع، أو ربما زادك حزنًا على حزن.
• أشغلي وقتكِ بما ينفعكِ من عبادة وعلم وعلاقات أسرية واجتماعية نافعة.
• اجعلي دعاءكِ في هذه المرحلة منصبًّا على طلب الخير والرضا والسكينة، لا على شخص بعينه فقط.
• امنحي قلبكِ فرصة للتعافي، ولا تجعلي هذه التجربة معيارًا لمستقبلكِ كله.

وأخيرًا أقول لكِ: لو كان هذا الشاب هو الخير الذي كتبه الله تعالى لكِ فلن يمنعه عنكِ أحد، ولو اجتمع أهل الأرض جميعًا على ذلك، ولو لم يكن خيرًا لكِ فلن يجلبه الدعاء على الصورة التي تتمنينها، لكن الدعاء سيجلب لكِ ما هو خير منه وأبقى أثرًا.

فأحسني الظن بربكِ، واستمري في الدعاء، واجعلي محور الدعاء اختيار الله تعالى لا اختياركِ، وتدبير الله سبحانه لا تدبيركِ، وستأتي أيام بإذن الله تعالى تنظرين فيها إلى هذه المرحلة بعين مختلفة، وتدركين أن الله سبحانه كان يُدبِّر لكِ الخير من حيث لم تكوني تعلمين.

نسأل الله تعالى أن يشرح صدركِ، ويعوضكِ خيرًا، ويرزقكِ الزوج الصالح الذي يكون لكِ قرة عين وسكنًا ومودة ورحمة، وأن يرزقكِ الرضا بقضائه والثقة بحكمته ولطفه.

والله الموفق.

www.islamweb.net