أشعر بالذنب لأن شعوري بالمحبة قلّ تجاه والديّ، فماذا أفعل؟
2026-07-27 03:13:38 | إسلام ويب
السؤال:
أعاني من شعورٍ بالضيق والذنب، يبلغ والداي من العمر 70 و90 سنة، ما شاء الله، أعاني من بعض تصرفاتهما، مثل تكرار الحديث عن الماضي، والنسيان أمام زوجي ومعارفنا، وبعض التصرفات الأخرى المتعلقة بالنظافة وطريقة تناول الطعام.
أعلم أنني مخطئة في مشاعري هذه، فهما لم يتركاني يومًا ووقفا إلى جانبي دائمًا، كما أنني لم أعد على نفس التوافق الاجتماعي السابق؛ فالحمد لله أصبحت في مستوى اجتماعي مختلف، وأدرك تمامًا أن الفضل بعد الله يعود لهما.
لكن الأوضاع تغيرت، وأحاول جاهدة أن أضبط نفسي حتى لا أقع في العقوق، ومع ذلك ما زلت أشعر بأنني لم أعد أحبهما كما كنت من قبل، ولم أعد متعلقة بهما أو حنونة عليهما كما كنت سابقًا.
كذلك سافرت لمدة سنتين إلى إحدى الدول العربية، وخلال تلك الفترة شعرت بالاكتفاء والاستغناء عن كل من حولي باستثناء بيتي وأسرتي، ومنذ ذلك الوقت أصبحت لا أتحمل وجود أي شخص آخر في بيتي أو في حياتي، ولا أعلم سبب ذلك.
أرجو المساعدة، كيف أتغلب على هذه المشاعر، وأستعيد مشاعر المحبة والارتباط والحنان التي كانت لدي تجاه والديّ من قبل؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ آية حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ أختنا الفاضلة في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن يُلهمنا وإياكِ السداد والرُّشد في القول والعمل.
بدايةً: لقد وقعت كلماتكِ علينا وقعًا مؤلمًا، وأحزنتنا تلك المشاعر التي تحملينها تجاه والديك، ولكن اعترافكِ بخطئك، وشعوركِ بخطورة ما أنتِ عليه، ورغبتكِ الصادقة في تغيير هذه المشاعر؛ فتح لنا باب الأمل بأن نكون سبباً لندلك على طريق النجاة.
أختي الفاضلة، لا يوجد ما يُذهب هذه المشاعر السلبية من جذورها أعظم من وقفة صادقة متجردة مع النفس، يراجع فيها الإنسان قلبه، ويحاسب نفسه محاسبةً عادلة وصادقة؛ إذ ليس هناك أقبح من الجحود للمعروف، ولا أشد قسوة من مقابلة الإحسان بالإساءة، ولا أعظم ظلمًا من نسيان جميل من كان سببًا -بعد الله- في وجود الإنسان وتربيته ورعايته.
ولهذا قرن الله سبحانه وتعالى حق الوالدين بحقه، وهو التوحيد، ففي مواضع كثيرة من القرآن الكريم، قال سبحانه: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وتكرار هذه الوصية بعد الأمر بتوحيد الله عز وجل دليلٌ واضح على عظمة حق الوالدين، ورفعة منزلتهما عند الله تعالى.
وجاءت السنة النبوية تؤكد هذا المعنى، فقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك).
أختي الكريمة: برُّ الوالدين واجب في كل الأحوال، لكنه يزداد تأكيدًا وعظمة حين يبلغان مرحلة الضعف والكِبر؛ لأن تلك المرحلة هي أعظم ميادين الوفاء، ورد الجميل وهي فترة الحاجة والضعف، ولذلك خصها الله تعالى بالذكر فقال: ﴿.. إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾، وتأملي كيف نهى الله عن كلمة «أف»، وهي أدنى ما يُعبر به الإنسان عن الضجر والتأفف، فكيف بما هو أشد منها من الغلظة، أو الجفاء، أو الكراهية، أو الإساءة؟
وروي أن رجلًا قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إن لي أمًّا بلغ بها الكبر، وإنها لا تقضي حاجتها إلا وظهري لها مطية، أحملها عليه، وأوضئها، وأصرف وجهي عنها، فهل أديت حقها؟ فقال عمر رضي الله عنه: لا؛ لأنها كانت تصنع ذلك بك وهي تتمنى بقاءك، وأنت تصنعه بها وأنت تتمنى فراقها).
أختي الفاضلة: يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾، فهذه هي رحلة الإنسان منذ ولادته إلى وفاته؛ يبدأ ضعيفًا، ثم يقوى، ثم يعود إلى الضعف مرة أخرى، وسيأتي يوم -قريبًا كان أو بعيدًا- تصبحين فيه أحوج ما تكونين إلى من يرعاك، ويحنو عليك، ويصبر على ضعفك، ويتحمل تكرار حديثك، ويبتسم في وجهك، ويستمع إليك بمحبة ورحمة، عندها ستدركين تمامًا ما يشعر به والداك اليوم، ولكن حينها لن ينفع الندم على ما مضى، ولن تُعيد الحسرة ما فات.
أختي الكريمة: إن الوالدين من أعظم أبواب الجنة، بل هما نعمة حُرم منها كثير من الناس، يتمنون لو عاد إليهم والد، أو والدة ساعةً واحدة ليبرّوهما، ولكن هيهات، جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد، فقال له النبي: (ألك أم؟) قال: نعم، قال: (فالزمها؛ فإن الجنة عند رجليها).
وتذكري أختي دائمًا أن الجزاء من جنس العمل، وأن بر الوالدين وعقوقهما من الأعمال التي يُعجّل الله لصاحبها الجزاء في الدنيا قبل الآخرة؛ فمن أحسن إلى والديه أحسن الله إليه، وبارك له في عمره وأهله وولده، ومن أساء إليهما وجد أثر إساءته في حياته قبل مماته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بَرُّوا آباءكم تَبَرَّكم أبناؤكم، وعِفُّوا تعفَّ نساؤكم).
وتذكري أيضًا أن بين يديك كنزًا عظيمًا لا يقدر بثمن، وهو دعاء الوالدين، فكم من همٍّ فرجه الله بدعوة أم، وكم من بلاء دفعه الله بدعاء أب، وكم من أبواب الخير فُتحت بسبب رضا الوالدين، وكم من إنسان حُفظ في دينه ودنياه ببركة دعائهما، ولعل ما أنت فيه من مكانة اجتماعية ببركة دعوة أمك، أو أبيك، وأنت لا تعلمين.
وفي المقابل، فإن دعاء الوالدين على أولادهما من أخطر ما يخشاه المؤمن؛ لأن دعاءهما قريب من الإجابة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم)، فاحذري -أختي الكريمة- أن تكوني سببًا في انكسار قلب أمك، أو أبيك، أو في خروج دعوةٍ منهما توافق ساعة إجابة، فتندمي حين لا ينفع الندم.
أختي الكريمة: بعد أن اتضح لكِ عظيم حق الوالدين، وخطورة العقوق، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح هو: ما الأسباب التي أوصلتك إلى هذه المشاعر السلبية تجاههما؟ وكيف تعالجينها؟
وفي تقديري أن هناك عدة أسباب من أهمها:
أولًا: طول الغفلة، وضعف التقوى، وقلة الاستقامة على طاعة الله تعالى.
فكلما ازداد العبد قربًا من الله، ازداد تعظيمه لأوامره، وكان بر الوالدين من أوضح صور هذا التعظيم، والمؤمن الصادق لا ينظر إلى بر والديه على أنه مجرد خُلق كريم، بل يراه عبادة يتقرب بها إلى الله، وطريقًا إلى جنته، قال النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع قراءة رجل في الجنة: (دخلتُ الجنة فسمعتُ فيها قراءة، فقلت: من هذا؟ فقالوا: حارثة بن النعمان، فقال رسول الله: (كذلكم البر، كذلكم البر)، وكان أبرَّ الناس بأمه.
ثانيًا: الاغترار بالحياة المادية، والانشغال بالمظاهر، والابتعاد عن غذاء الروح.
فالحياة المعاصرة بما فيها من سباقٍ محموم نحو المال، والمكانة، والمظاهر، قد تجعل الإنسان -إن لم يُحصِّن نفسه بالإيمان- ينظر إلى كل شيء بمنظار المنفعة، حتى العلاقات الأسرية، فيصبح تقدير الناس عنده بقدر ما يقدمونه له من مصالح، فإذا ضعف الوالدان، أو قل عطاؤهما، أو كثرت حاجتهما، ضعفت مكانتهما في قلبه، وهذا من أعظم صور الخلل في ميزان القيم، أما المؤمن، فإنه يرى والديه نعمة من أعظم نعم الله عليه، ويعد خدمتهما شرفًا وقربة يتقرب بها إلى الله عز وجل.
ثالثًا: أثر البيئة والتنشئة.
فالبيئة التي ينشأ فيها الإنسان لها أثر بالغ في تكوين شخصيته وقيمه؛ فإذا نشأ في بيئة يرى فيها العقوق، وسوء الأدب مع الوالدين، ورفع الصوت عليهما، والاستخفاف بحقهما، دون أن يجد من يزجره أو يبين له خطورة ذلك، فقد يهون هذا الأمر في نفسه، ويعتاده حتى يصبح سلوكًا طبيعيًا عنده.
رابعًا: عدم تذوق مشاعر الأمومة أو الأبوة.
لم تذكري في رسالتك هل رزقك الله بأولاد أم لا؛ لأن الأمومة والأبوة من أعظم ما يوقظ في النفس معاني البر والرحمة والوفاء، فحين يرزق الله الإنسان ولدًا، ويذوق مشاعر الأبوة ويعاني مرارة السهر، والتعب، والخوف، والإنفاق، والصبر، ثم يرى مقدار تعبه من أجل ابنه، يبدأ يدرك شيئًا من حجم ما بذله والداه في سبيله، فيلين قلبه، ويزداد تقديره لهما، ولذلك قال بعض السلف: (لا يعرف حق والديه حق المعرفة إلا من رزقه الله ولدًا)، وإن كان هذا ليس على إطلاقه، إلا أنه يبين أثر الأبوة والأمومة في تعميق الشعور بحق الوالدين.
خامسًا: صحبة من يهونون من شأن البر، أو التأثر بالإعلام والثقافة المعاصرة.
فالصاحب ساحب، والمرء على دين خليله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:(المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)، فإذا أكثر الإنسان من مجالسة من يستهين بحقوق الوالدين، أو يرى البر عند قرنائه ضعيفًا، أو يعتبر خدمة الوالدين نوعًا من التخلّف، أو تشبع بما تبثه بعض وسائل الإعلام، ومنصات التواصل من الدعوة إلى الفردانية، والاستقلال المطلق، وتقديم راحة النفس ومتعتها على كل شيء؛ فإنه قد يتأثر بذلك من حيث يشعر أو لا يشعر.
أختي الكريمة: إذا راودتك هذه المشاعر السلبية تجاه والديك، وأردتِ أن تجاهديها وتتغلبي عليها، فذكِّري نفسك دائمًا بأربعة أمور عظيمة، فإنها من أنفع ما يعين على إصلاح القلب واستقامة السلوك.
الأول: استحضار الزواجر والوعيد.
تذكري أن عقوق الوالدين ليس ذنبًا هينًا، ولا معصيةً يسيرة، بل هو من أكبر الكبائر، وأعظم الذنوب بعد الشرك بالله تعالى، فعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟) قلنا: بلى يا رسول الله، قال: (الإشراك بالله، وعقوق الوالدين...) متفق عليه.
الثاني: استحضار الفضائل العظيمة لبر الوالدين.
فكما أن العقوق من أعظم أسباب الخسران، فإن البر من أعظم أسباب الفوز برضا الله، ودخول الجنة، وتفريج الكربات، ونزول البركات، وسعة الرزق، وطول العمر المبارك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد).
الثالث: استحضار العواقب.
إن البر والعقوق دينٌ يجري على الإنسان في حياته قبل مماته؛ فما يزرعه اليوم سيحصده غدًا، فكم من بارٍّ رأى أثر بره في صلاح أولاده، ومحبة الناس له، وتوفيق الله في شأنه كله، وكم من عاقٍّ ذاق مرارة عقوق أبنائه، أو حُرم التوفيق، أو عاش نكدًا لا يعرف له سببًا. ولذلك كان السلف يقولون "كما تدين تُدان."
الرابع: محاسبة النفس على حقيقة الأخلاق.
إن صلاح الإنسان لا يقاس بكثرة كلامه عن القيم، ولا بحسن مظهره، ولا بمكانته الاجتماعية، وإنما يظهر صدق أخلاقه أول ما يظهر في تعامله مع الأقربين، وخاصة والديه، ومن ادعى الرحمة، ثم حرم منها أباه وأمه، أو ادعى الوفاء وهو يجحد إحسانهما، أو تحدث عن مكارم الأخلاق ولم تظهر في بيته؛ فإن دعواه ناقصة بقدر هذا التقصير، ولذلك كان السلف يعدون بر الوالدين من أعظم علامات صدق الإيمان، وحسن الخلق.
أختي: أن ما ترينه من ضعف والديك، أو نسيانهما، أو كثرة حديثهما، أو تكراره، أو حاجتهما إلى من يسمع لهما، ليس أمرًا مستغربًا، بل هو من طبيعة هذه المرحلة العمرية، فهو باب لتبادري لتقديم المساعدة والخدمة التي يحتاجونها، لا أن تتعالي أو تتكبري عليهما؟!
أخيرًا: بادري إلى توبةٍ نصوح، وجددي صلتك بالله عز وجل، وأكثري من الاستغفار، والدعاء، والصدقة، واسألي الله أن ينزع من قلبك كل شعور لا يرضيه.
ثم اجتهدي في الإحسان إلى والديك قولًا وعملًا، وأكثري من الجلوس معهما، والإنصات إلى حديثهما، وإدخال السرور عليهما، والصبر على ما يصدر منهما، واحتسبي ذلك كله عند الله؛ فما من لحظة تقضينها في برهما إلا وهي مدخرة لك عند رب العالمين.
وتذكري دائمًا أن الموت لا يستأذن أحدًا، وأنه قد يأتي يومٌ تنظرين فيه إلى مكان كان يجلس فيه والدك أو والدتك فلا تجدين إلا الذكريات، وتتمنين لو عاد بك الزمن ساعةً واحدة لتسعدي ببرهما وخدمتهما، أو لتنالي دعوة صادقة، ولكن هيهات؛ فقد أُغلق الباب، وانقطع العمل، وبقي الندم.
فاغتنمي هذه النعمة قبل أن تزول، فإن وجود الوالدين من أعظم نعم الله على العبد، ومن أجلِّ أبواب الجنة، ومن أعظم أسباب الفوز برضوان الله.
يسر الله أمرك، وأصلح قلبك، وأعانك على حسن بر والديك.