الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

آثار الدعوة في بناء الشخصية المسلمة وتكوين المعرفة ونبذ التقليد الأعمى

السؤال

ما أثر الدعوة الإسلامية في بناء شخصية المسلم وتكوينه المعرفي؟

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

للدعوة الإسلامية في بناء شخصية المسلم وتكوينه المعرفي أثر عظيم ومشاهَد على مر عصورها منذ سطع فجرها إلى يوم الناس هذا، ومن أبرز ذلك:

1. تصحيح المرجعية المعرفية (من التيه إلى اليقين)؛ فأول أثر للدعوة هو نقل المسلم من التشتت المعرفي أو اتباع الهوى والظنون إلى "مرجعية الوحي"، فالدعوة تبني في المسلم قاعدة أن المصدر الأول للحقيقة هو الله الخالق، والأثر المترتب على ذلك هو التحرر من الأوهام والخرافات، قال الله تعالى: أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [سورة الملك: 22]. هذا الانتقال المعرفي يجعل للمسلم "بوصلة" واضحة في تفسير الوجود والغاية من الحياة.

2. بناء العقل الناقد والبرهاني؛ فالدعوة الإسلامية لا تطالب بـ "إيمان أعمى"، بل تحث على النظر والتفكر، وهذا يبني في المسلم تكوينًا معرفيًا يعتمد على الدليل والبرهان، فينشأ عن ذلك رفض التقليد الأعمى والتبعية الفكرية لغير الحق، وقد تكرر في القرآن قوله تعالى: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [سورة البقرة: 111]، فهذا المنهج يربي المسلم على التثبت العلمي والأمانة في نقل المعرفة.

3. الربط الطردي بين العلم والعمل؛ ففي المنظور الإسلامي الذي ترسخه الدعوة، لا ينفصل العلم عن العمل، ولا تنفصل علوم الدنيا عن علوم الدين إذا اقترنت بالنية الصالحة. وبذلك تتحول المعرفة من "معلومات مكدسة" إلى "سلوك ممارس"، والمسلم الذي تؤثر فيه الدعوة الإسلامية يدرك أن علمه حجة عليه، فيسعى لتزكية نفسه، وقد كان الصحابة يتعلمون العشر آيات فلا يتجاوزونها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، كما روي عن ابن مسعود وغيره.

4. صياغة الشخصية المتوازنة (الوسطية)، فالدعوة تبني مسلمًا يعرف حق ربه، وحق نفسه، وحق المجتمع، هذا التكوين المعرفي يحميه من الغلو (التطرف) ومن الجفاء (التفريط)، قال الله تعالى: وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [سورة البقرة: 143].

5. استشعار المسؤولية الحضارية (الشهود على الناس)؛ فالدعوة تخرج المسلم من دائرة الاهتمامات الضيقة (الذاتية) إلى رحاب الأمة والإنسانية، فيشعر المسلم أنه صاحب رسالة، مما يحفزه على التعلم المستمر ليكون قدوة ونافعًا لغيره، قال الله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [سورة آل عمران: 110].

ولمزيد فائدة انظر الفتويين: 28002، 114572.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني