الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فنسأل الله أن يتوب عليك، ويمحو عنك إثم هذه الجريمة الشنيعة.
فقتل النفس من كبائر الموبقات، قال تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: 93].
والقتل فيه ثلاثة حقوق: حق لله، وحق للمقتول، وحق للوارث. فحق الله يسقط بالتوبة، وحق الوارث يسقط بتمكينه من القصاص أو الدية، ويبقى حق المقتول يعوضه الله عنه يوم القيامة إذا صدقت توبة القاتل.
قال ابن القيم في الداء والدواء: والتحقيق في المسألة أن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق: حق لله، وحق للمقتول، وحق للولي، فإذا سلّم القاتل نفسه طوعًا واختيارًا إلى الولي ندمًا على ما فعل، وخوفًا من الله، وتوبة نصوحًا، سقط حق الله بالتوبة، وحق الولي بالاستيفاء، أو الصلح، أو العفو، وبقي حق المقتول يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن، ويصلح بينه وبينه، فلا يبطل حق هذا، ولا تبطل توبة هذا. اهـ.
فأما القصاص؛ فإن الأم لا تقتل بابنها، كما سبق في الفتوى: 215050.
وبالتالي؛ فإن حق والد ابنك عليك هو الدية، فإذا أعطيته الدية بأي وسيلة، فقد برئت ذمتك من حقه، ولا يجب إخباره بما فعلت، وانظري الفتوى: 407479.
وإذا استسمحتِ زوجك بوجه عام دون تفصيل لما فعلته، كأن تقولي له مثلا: إن لك عليَّ حقًا فسامحني فيه، فسامح، فإن ذمتك تبرأ بذلك عند بعض العلماء، وانظري الفتوى: 469396.
وعلى كل حال؛ فإن أداء الدية ليس شرطًا في التوبة وسقوط حق الله؛ بل هو واجب مستقل خارج عن حد التوبة عند جمع من العلماء.
جاء في طبقات الشافعية الكبرى للسبكي: ذكر الشيخ عز الدين في أماليه: أن القاتل إذا ندم وعزم أن لا يعود، لكنه امتنع من تسليم نفسه للقصاص، لم يقدح ذلك في توبته.
قال: وهذا ذنب متجدد بعد الذي عصى به، مخالف لما وقع به العصيان من القتل، ونحن إنما نشترط الإقلاع في الحال عن أمثال الفعل الذي وقع به العصيان.
قلت: وهذه فائدة جليلة. اهـ.
وجاء في الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني: وحقيقة التوبة اصطلاحًا وشرعًا: الندم على المعصية من حيث هي معصية، مع عزم أن لا يعود إليها إذا قدر، فمن ندم على شرب الخمر لما فيه من الصداع، أو لإضاعة المال، لم يكن تائبًا... وحقيقة الندم تحزن وتوجع على الفعل وتمني كونه لم يقع...
وإذا لم يرد المظالم مع الإمكان، فصحح الإمام توبته مع الجمهور، وقيل: إنها لا تصح إلا برد المظالم إلى أهلها ...
قال في شرح المقاصد: ... إن تعلقت بحقوق العباد لزم مع الندم رضا العبد، أو بذله إليه إن كان الذنب ظلمًا، كما في الغصب، وقتل العمد ...
ولكن التحقيق أن هذا الزائد واجب آخر خارج عن التوبة؛ لقول إمام الحرمين: إن القاتل إذا ندم من غير تسليم نفسه للقصاص، صحت توبته في حق الله تعالى، وكان منع نفسه من مستحق القصاص معصية متجددة تستدعي توبة، ولا تقدح في التوبة من القتل. اهـ.
وإذا صدقت توبتك إلى الله، فإنك لا تعاقبين على ما فعلته، ففي سنن ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: التائب من الذنب كمن لا ذنب له. حسّن إسناده ابن حجر في فتح الباري.
فالتائب من الذنب لا يعاقب عليه في الدنيا ولا في الآخرة.
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: ونحن حقيقة قولنا: أن التائب لا يعذب لا في الدنيا ولا في الآخرة، لا شرعًا، ولا قدرًا. اهـ.
والله أعلم.