الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالاعتدال في استخدام النِّعم سلوك أخلاقي، وتدبير مادي اقتصادي، وقبل ذلك قد ينقلب إلى عبادة جليلة إذا استحضرت النية الصالحة في المحافظة على النعمة، وأداء حق الله فيها، وجعل ذلك منهج حياة، يربط الأرض بالسماء.
والاعتدال في ذلك هو مظهر الشكر العملي الذي هو سبيل ازدياد النعم ودوامها، قال الله تعالى في محكم تنزيله: لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: 7].
والشكر ليس مجرد كلمة باللسان، بل هو سلوك عملي يقتضي صرف النعمة في مراضي الله الذي أعطاها، قال محمد مولود الشنقيطي في نظم مطهرة القلوب:
والشكر صرف العبد ما أولاه مولاه من نعماه في رضاه
فالشكر اعتراف بفضل المنعم، وهذا الاعتراف هو "قَيد النِّعم"؛ ومن سنن الله الكونية أن النعم إذا كفرت فرت، وإذا شكرت قرت. وقد قيل: النعم "صيد"، والشكر "قيدها" الذي يمنعها من الفرار.
وقد عدَّ الله تعالى الاعتدال في الإنفاق من صفات عباد الرحمن الأبرار فقال: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان: 67].
وهذا الاعتدال يكون في المطعم والمشرب والملبس والمسكن والمركب، وفي كل ما أوتيه الإنسان من النعم.
والاعتدال يجلب البركة بحيث يكون القليل كافيًا، والكثير نافعًا. والنبي صلى الله عليه وسلم وجهنا للاقتصاد حتى في العبادة (كالوضوء)، ليعلمنا أن حماية النعمة تبدأ من حماية وحداتها الصغيرة.
فعن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: مر بسعد، وهو يتوضأ، فقال: ما هذا السرف؟ فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: نعم، وإن كنت على نهر جار. رواه ابن ماجه.
وفي مقابل هذا السلوك الرفيع حذرنا الله سبحانه وتعالى من الإسراف، ومن التبذير وشنع على المتصف بهما أيما تشنيع، فقال: وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأنعام: 141]. وقال: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا [الإسراء: 26-27].
الإسراف هو: تجاوز الحد الشرعي في صرف النعم في المباحات، والتبذير هو: صرفها في غير حق شرعي، وكلاهما مذموم -كما رأيت- فالمسرفون منفية عنهم محبة الله، والمبذرون بينهم وبين الشياطين مشاكلة في الكفر بحق المنعم.
والذي ينبغي أن نوقن به أننا لسنا مُلَّاكًا حقيقيين للنعم، بل نحن "مستخلفون" فيها، قال الله تعالى: وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد: 7].
وثقافة الاعتدال في التصرف في النعم توحي بأن المسلم يدرك أنه مستخلف فيها، وأن الله سائله عنها وأن عليه فيها حقًا للآخرين، قال الله تعالى: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر: 8].
ومن زاوية أخرى -وهي الأهم- فإن في شيوع ثقافة الاعتدال حمايةً من الحساب العسير يوم القيامة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
فالاعتدال في الدنيا يخفف مؤونة الحساب في الآخرة، ومن عاش مقتصدًا، كان حسابه أيسر، ومن عاش مسرفًا مبذرًا، وقف طويلًا يُسأل عن كل فضل نعمة ضيعه.
وهذا التوازن يحمي المجتمع من الحسد والطبقية، ويحمي البيئة من الاستنزاف، مما يضمن استدامة الموارد وبقاءها للجميع، والمتأمل في واقع الناس يجد أن البيوت التي قامت على "القصد" (الاعتدال) هي الأكثر استقرارًا وهدوءًا، بينما البيوت التي قامت على "المباهاة والإسراف" غالبًا ما يلاحقها القلق، وتنزع منها السكينة.
والله أعلم.