الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأضحية فضلها وأحكامها

الأضحية فضلها وأحكامها

الأضحية فضلها وأحكامها

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي شرع لعباده الشرائع، وميز لهم المواسم، وجعل لهم في أيامهم نفحات، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل تعظيم شعائره من تقوى القلوب، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمة، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل وطاعته، فهي وصية الله للأولين والآخرين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ‌حَقَّ ‌تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ‌وَلْتَنْظُرْ ‌نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) ‌يُصْلِحْ ‌لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].

أما بعد:

معاشر المؤمنين: إن من أجلِّ مواسم الطاعات وأعظم أيام القربات أيام العشر من ذي الحجة، التي أقسم الله بها في كتابه فقال: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1، 2].

وجاء في الحديث عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (‌ما ‌من ‌أيام ‌العمل ‌الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام - يعني أيام العشر - قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلا خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء) رواه أحمد.

ومن أعظم الأيام فيها يوم النحر -وهو يوم العيد- وفيه يتقرب المسلم بقربات عظيمة، وطاعات جسيمة. عن عبد الله بن قرط، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ‌ثم ‌يوم ‌القر) رواه أحمد، ويوم القر هو اليوم الثاني بعد يوم النحر.

عباد الله: ومن أعظم شعائر الإسلام الظاهرة، وأجلِّ القربات التي يتقرب بها المؤمن إلى ربه في أيام النحر، شعيرةُ الأضحية؛ فهي شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، ومظهر من مظاهر تعظيم الله عز وجل.

والأضحية هي: عبادة تضرب بجذورها في تاريخ الإيمان، وترتبط بقصة خالدة جسّدت كمال التسليم والطاعة، حين ابتُلي خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه، فاستجاب لأمر ربه غير متردد، فلما صدق العزم وفداه الله بذبح عظيم، صارت سنةً باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، تُحيي معاني الإخلاص والتجرد والتقوى، وتعلن أن محبة الله وطاعته مقدمة على كل محبوب. فالأضحية ليست مجرد ذبحٍ ولحم، بل هي عبادة قلبٍ قبل أن تكون عبادة جوارح، ومظهر تعظيم لله قبل أن تكون عادة اجتماعية.

أيها المسلمون: إن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2]. فجمع له بين أعظم عبادتين: الصلاة التي هي صلة بين العبد وربه، والنحر الذي هو بذلٌ وتقرّب وإظهارٌ لشعيرة الإسلام. قال سبحانه: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج: 37]. فبيّن أن المقصود الأعظم من الأضحية هو تحقيق التقوى في القلوب.

عباد الله: ومن فضل الأضحية أنها قربة عظيمة، وشعيرة ظاهرة، فيها إحياء لسنة إبراهيم عليه السلام، واتباع لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، عن أنس رضي الله عنه قال: "ضحى النبي صلى الله عليه وسلم ‌بكبشين ‌أملحين ‌أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما" متفق عليه.

والأضحية تحمل معاني عظيمة؛ فهي إعلان للتوحيد، إذ يذكر اسم الله عليها، وتذكير بنعمة الله في تسخير الأنعام لعباده، وتوسعة على الأهل والفقراء، وإظهار لشعيرة الإسلام في المجتمع. وهي مدرسة تربوية تعلم المسلم البذل والعطاء، وتغرس في قلبه معاني التقوى، كما قال تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج: 37].

معاشر المؤمنين: أما حكم الأضحية، فهي مشروعة في حق القادر عليها، وقد واظب عليها النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتركها في عام من الأعوام بعد الهجرة. وهي شعيرة مؤكدة، ينبغي للمسلم المستطيع ألا يفرّط فيها، تعظيمًا لشعائر الله، فإنها من تقوى القلوب.

أيها المؤمنون: للأضحية وقتٌ محددٌ شرعًا، فلا تصح قبله ولا بعده. يبدأ وقتها بعد صلاة عيد الأضحى، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (‌من ‌ذبح ‌قبل ‌الصلاة ‌فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه، وأصاب سنة المسلمين) رواه البخاري. فدل الحديث على أن الذبح قبل صلاة العيد لا يجزئ عن الأضحية، وشاته شاة لحم لا أضحية.

ويمتد وقت الذبح إلى غروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق، فتكون أيام الذبح أربعة: يوم العيد، وثلاثة أيام بعده. وكلما بادر المسلم بالأضحية بعد الصلاة كان أفضل، تأسّيًا برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وللأضحية شروط معتبرة ينبغي مراعاتها:
أولاً: أن تكون من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، لقوله تعالى: {لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 34].

ثانيًا: أن تبلغ السن المعتبرة شرعًا، فلا يجزئ من الإبل إلا ما تم له خمس سنين، ومن البقر ما تم له سنتان، ومن المعز ما تم له سنة، ومن الضأن ما تم له ستة أشهر إذا كان جذعًا.

ثالثًا: أن تكون سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء، عن ‌عبيد بن فيروز قال: سألت ‌البراء بن عازب ما لا يجوز في الأضاحي؟ فقال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصابعي أقصر من أصابعه، وأناملي أقصر من أنامله فقال: (‌أربع ‌لا ‌تجوز ‌في ‌الأضاحي: العوراء بين عورها، والمريضة بين مرضها، والعرجاء بين ظلعها، والكسير التي لا تنقي) رواه أبو داود، والكسير؛ الهزيلة التي لا تنقي.

ويلحق بهذه العيوب ما كان في معناها مما ينقص اللحم، أو يضر بالحيوان ضررًا بيّنًا.

رابعًا: أن تذبح في الوقت المحدد شرعًا كما سبق بيانه.

عباد الله: وللذبح آداب وسنن: وبعض هذه الأمور واجبة لا بد منها.
فمن السنة عند الذبح أن يذكر المسلم اسم الله، وأن يكبّر، فيقول: بسم الله والله أكبر، لقول الله تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا} [الحج: 36].

ويستحب أن يباشر المضحي ذبح أضحيته بنفسه إن قدر، اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإن لم يحسن الذبح أو لم يستطع، جاز له أن يوكّل من يذبح عنه.

ومن الآداب أيضًا الإحسان إلى الذبيحة، عن ‌شداد بن أوس قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (‌إن ‌الله ‌كتب ‌الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، فليرح ذبيحته) رواه مسلم.
فلا يجوز تعذيب الحيوان، ولا سنّ السكين أمامه، ولا ذبحه أمام غيره.

ويجوز الاشتراك في الأضحية في الإبل والبقر فقط، فيشترك سبعة أشخاص في بدنة أو بقرة، أما الغنم فلا تجزئ إلا عن شخص واحد وأهل بيته، ويُقصد بأهل البيت من يعولهم المضحي وينفق عليهم.

ومن السنة أن يأكل المضحي من أضحيته، وأن يهدي ويتصدق، لقوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: 28].
ويستحب أن يقسمها ثلاثة أقسام: ثلث له ولأهله، وثلث هدية، وثلث صدقة، وإن زاد في الصدقة أو في الإهداء فلا حرج، فالأمر في ذلك واسع.

فيأكل من أضحيته، ويهدي لأقاربه وجيرانه، ويتصدق على الفقراء والمساكين، ليعم الخير وتنتشر الفرحة في بيوت المسلمين.

ولا يجوز بيع شيء من الأضحية، لا لحمها ولا جلدها ولا شيء منها؛ لأنها قربة لله، فلا يجوز أن يُتخذ منها عوض دنيوي. كما لا يجوز إعطاء الجزار أجرته منها على سبيل المقابل، بل يُعطى أجره من مال المضحي.

معاشر المؤمنين: ومن أراد أن يضحي ودخلت عليه العشر من ذي الحجة، فإنه يتأكد له وينبغي أن يمسك عن أخذ شيء من شعره وأظفاره وبشرته حتى يذبح أضحيته، عن ‌أم سلمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم هلال ذي الحجة ‌وأراد ‌أحدكم ‌أن ‌يضحي، فليمسك عن شعره وأظفاره) رواه مسلم.
وهذا الحكم خاص بمن أراد الأضحية، أما أهل بيته فلا حرج عليهم.

وتجوز الأضحية عن الميت إذا أوصى بها، أو تبرع بها عنه أحد من أهله، فهي من أعمال البر التي يصل ثوابها إليه بإذن الله تعالى.

أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

معاشر المؤمنين: أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن، فهي حبل النجاة من المحن والفتن، وخير زاد ليوم العرض العظيم.

أما بعد:

عباد الله: ينبغي التنبه إلى أن الأضحية عبادة عظيمة، وليست عادة اجتماعية، أو مظهرًا للمباهاة والمفاخرة. فالمقصود الأعظم هو التقرب إلى الله بالتقوى والإخلاص.

ومن الخطأ أن يُحمّل الإنسان نفسه ما لا يطيق لأجل مظهر أو تقليد، فالله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ومن لم يجد سعة فلا حرج عليه، فإن الله غني عن العالمين.

أيها المسلمون: ومن المعاني التربوية في الأضحية: أنها تعلم المسلم الاستسلام لأمر الله، وتذكّره بأن الدنيا كلها فداء لطاعة الله، وتربيه على السخاء، وتغرس في المجتمع روح التكافل والتراحم، حين تصل اللحوم إلى بيوت الفقراء والمحتاجين، فيفرح الجميع بعيدهم.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌صَلُّوا ‌عَلَيْهِ ‌وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة