
لا شك أننا نعيش مرحلة شديدة التحولات، والتقلبات، إذ تتلاطمنا أمواج العولمة الثقافية، وتتجدد علينا أعاصير التغيير كل يوم، مما يجعل كثيراً من المسلمين يقفون حائرين على مفترق طرق: طريقٌ الأصالة والهوية، وطريق آخر له دعاته، وأنصاره، وهو طريق يدعو للانصهار، والذبان في حضارة الغالب، والمتمكن، الذي يتغلغل في حياتا اليومية، ويسود العالم بصناعاته، وإنتاجه.
هذه الإشكالية ليست مجرد نقاش فكري عابر، بل هي معركة وجود حضاري، تتعلق بمستقبل الأمة، ووعيها بذاتها.
ومعلوم أن الأصالة في التصور الإسلامي لا تعني الانغلاق، ولا الجمود، بل هي ارتباطٌ بالجذور التي تمنح الإنسان توازنه، وتُكسبه القدرة على التفاعل الواعي مع المتغيرات، أما "الذوبان"، فهو فقدان هذا التوازن، حين يتحول التفاعل إلى تبعية، والانفتاح إلى استلاب.
لقد أكد عدد من المفكرين الإسلاميين على خطورة هذا الانزلاق، إذ يرى الشيخ يوسف القرضاوي أن الأمة التي تفقد هويتها تفقد روحها، ويشدد رحمه الله تعالى: على أن التقدم الحقيقي لا يكون بالتقليد الأعمى، بل بالاستفادة الواعية التي تحفظ الخصوصية، فهو يرفض ثنائية "إما الأصالة أو المعاصرة"، ويطرح بديلاً متوازنًا يقوم على الجمع بينهما في إطار من الوعي والتمييز.
أما الشيخ محمد الغزالي، فيطرح الموضوع باعتباره مرتبطاً بقيام الأمة، أو هلاكها، ويتندر رحمه الله على الناعقين باسم ثقافة الغرب فيرى أنهم "استقالوا من عقولهم"، حين ظنوا أن التقدم مرهون بخلع جلدهم الحضاري، وكان يؤكد أن الإسلام ليس عائقًا أمام التقدم، بل هو قوة دافعة له، إذا ما فُهم فهمًا صحيحًا، وفي كتاباته، يبرز الغزالي أهمية بناء شخصية مستقلة، لا تنبهر بالآخر إلى حد الذوبان، ولا تنغلق على ذاتها إلى حد العجز، إذ يقول رحمه الله تعالى: " إن الأمة التي لا تقرأ القرآن قراءة واعية، تظل عالة على غيرها، تستورد أفكارها كما تستورد سلعها".
ويقول: " إن التقليد الأعمى ليس من الدين في شيء، وإن من العار أن نعيش بعقول غيرنا، ونقيس أنفسنا بمقاييس سوانا".
ويحذر رحمه الله تعالى تحذيراً شديداً من فقدان الثقة في تراث الأمة، وموروثها الثقافي حيث يقول: " إن أخطر ما يُمنى به شعب من الشعوب أن يفقد ثقته بنفسه، وأن يُلقّن أن كل ما عنده تافه، وأن كل ما عند غيره عظيم".
ومن زاوية تربوية وفكرية، يقدم د.عبد الكريم بكار رؤية عميقة لمفهوم الهوية، حيث يرى أن "الهوية ليست مجرد شعارات تُرفع، بل هي منظومة قيم تُعاش"، ويؤكد أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الغزو الثقافي بقدر ما يكمن في "قابلية الاستقبال"، أي في ضعف المناعة الداخلية للأفراد والمجتمعات، ومن هنا، فإن تعزيز الهوية يبدأ من بناء الإنسان الواعي، القادر على التمييز بين ما يُؤخذ وما يُترك، ويرى ضرورة قيام مؤسسات تعليمية قادر على بناء الذات: "إن تعليم التاريخ الحقيقي للأمة، وربط الشباب بقيمهم وأمجادهم، هو الحصن الذي يحميهم من الذوبان أو الانسلاخ عن أنفسهم".
وإذا نظرنا إلى هذه القضية من منظور علمي واجتماعي، نجد أن الذوبان الثقافي غالبًا ما يحدث في البيئات التي تعاني من ضعف الثقة بالذات، أو من اختلال في منظومة القيم، فحين يشعر الإنسان بأن ثقافته عاجزة عن تلبية احتياجاته، يلجأ إلى استيراد نماذج جاهزة، دون تمحيص أو نقد، وهنا تتشكل حالة من "الاغتراب الثقافي"، حيث يعيش الفرد بجسد في مجتمعه، وعقل في بيئة أخرى.
الحضارة الإسلامية في جوهرها، تقدم نموذجًا فريدًا للتوازن بين الثبات، والتغير، فهي حضارة دين يحافظ على الثوابت العقدية، والقيمية، ويترك مساحة واسعة للاجتهاد في الوسائل والآليات، وهذا ما سماه بعض المفكرين الإسلاميين: "فقه الموازنات"، الذي يراعي الواقع دون أن يفرّط في المبادئ.
إن التحدي الأكبر اليوم ليس في مواجهة الثقافات الأخرى، بل في كيفية التفاعل معها دون فقدان الذات، فالعالم لم يعد قرية صغيرة فحسب، بل أصبح فضاءً مفتوحًا تتداخل فيه الأفكار والقيم، وهذا يتطلب من المسلم أن يكون "فاعلًا" لا "مفعولًا به"، وأن يمتلك أدوات الفهم والتحليل، لا مجرد التلقي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التعليم والثقافة في بناء هذا الوعي، فالمناهج التي تغفل البعد الحضاري، وتُهمّش التراث الفكري الإسلامي، تُسهم بشكل غير مباشر في تعزيز حالة الذوبان، كما أن الإعلام، حين يروّج لنماذج سطحية، أو مستوردة دون نقد، يُضعف مناعة المجتمع ويُربك معاييره.
وليس المقصود هنا الدعوة إلى الانغلاق، أو رفض الآخر، بل إلى إقامة علاقة صحية معه، تقوم على الحوار والتبادل، لا على التبعية والانبهار، فالحضارات لا تتقدم بالتقليد، بل بالإبداع، ولا تعيش بالعزلة، بل بالتفاعل.
إن العودة إلى الأصالة لا تعني الرجوع والعيش في الماضي، بل تعني استحضار القيم التي صنعت ذلك الماضي، وتفعيلها في الحاضر، كما أن الانفتاح لا يعني الذوبان، بل يعني القدرة على الاستفادة دون فقدان الهوية.
خلاصة القول:
معركة "الأصالة والذوبان" هي في حقيقتها معركة وعي، فمن امتلك وعيه، امتلك قراره، ومن فقده، أصبح تابعًا لغيره، وإن الأمة التي تريد أن تنهض، لا بد أن تبدأ من إعادة بناء إنسانها، ليكون راسخ الجذور، واسع الأفق، قادرًا على أن يجمع بين ثبات القيم ومرونة الوسائل، واعتقد أن هذا هو الطريق نحو نهضة متوازنة، تحفظ الهوية، وتواكب العصر.