الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لا أتعامل مع أخوات زوجي ولا أطيعه أحيانًا، فهل أنا ناشر؟

السؤال

توجد خلافات مستمرة بيني وبين زوجي بسبب أهله، علماً بأنني لا أقاطع والدته، غير أن هذا لا يرضيه، في حين أنني توقفتُ عن التعامل مع أخواته نظراً لما بدر منهن من إهانات لفظية بحقي، زوجي مسافر حالياً، ودائماً ما يصفني بأنني 'ناشز'؛ لأننا عندما كنا معاً في الغربة، كانت الخلافات تثور بيننا باستمرار، فكنتُ لا أوافق على ما يطلبه مني لأهله، وأحياناً أرفض بعض طلباته لنفسه؛ نظراً لسوء سلوكه.

كما أنني أمنع نفسي عنه عندما أعلم أنه على علاقة بامرأة أخرى تحت مسمى الصداقة، أو التعارف بقصد الزواج.

فهل أنا ناشز كما يصفني؟ وما الحكم الشرعي في ذلك؟ كما أود معرفة الأعمال والأفعال التي إذا ارتكبتها الزوجة تُعدّ شرعاً 'ناشزاً'؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ شيماء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لكِ الاهتمام والحرص على السؤال، ونسأل الله أن يهدي زوجكِ، وأن يؤلف القلوب، وأن يغفر الزلات والذنوب، وأن يجمع بينكما في الخير وعلى الخير، هو وليُّ ذلك والقادر عليه.

بدايةً؛ شكرًا لكِ على الحرص على التواصل مع موقعكم، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يُعينكِ على الخير، وأن يُعين هذا الزوج حتى يعود إلى صوابه ويمتنع عن المخالفات الشرعية، وأيضًا نسأل الله أن يُعينكِ على حسن التعامل مع أهله، ومقابلة إساءتهم بالإحسان، وخاصة والدته التي ينبغي أن تهتمي بها لكونها أكبر سنًّا، والإنسان ينبغي أن يراعي مثل هذه الجوانب، وليس معنى هذا أننا نمدح أهله أو نقول ليس لهم أخطاء، ولكن من الحكمة أن تتعامل الزوجة مع أهل زوجها بمنتهى الحكمة، فإن ظُلمت فأمرها إلى الله تبارك وتعالى، وتحاول أن تُقابل إساءتهم بالإحسان؛ لأن هذا له أثر كبير جدًّا على العلاقة الزوجية.

وفي المقابل طبعًا على الزوج أن يُكرم زوجته التي تصبر على أهله وتتحمل أذاهم، عليه أيضًا أن يُقدِّر هذا وأن يكرمها، وأن يعوضها خيرًا، والمرأة في هذه الأحوال بحاجة إلى دعم معنوي وتشجيع من زوجها على الصبر.

أمَّا بالنسبة للناشز؛ فهي الخارجة عن طاعة زوجها، والناشز من الأرض هو المرتفع، والنشوز هو الخروج عن طاعة الزوج، وهنا نفرق بين طاعة الزوج فيما هو طاعة لله تبارك وتعالى، فهذا أمر واجب لا يجوز للمرأة أن تخرج من طوعه إذا أمرها بأمر فيه طاعة لله تبارك وتعالى، أمَّا إذا كان أمرها بمعصية فلا سمع ولا طاعة؛ لأنه «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» سبحانه وتعالى.

وعليه؛ أرجو أن تعلمي أن إساءة الزوج لا تُبيح لكِ الإساءة؛ لأن الذي يحاسبه هو الله تبارك وتعالى، يحاسبه على إساءته، ويحاسبكِ إن أسأتِ، ويجازيكِ إن أحسنتِ، ولذلك ينبغي أن يكون هذا المعنى واضحًا، فلا تحملكِ إساءة الزوج على الإساءة، ولا على عصيانه في الأمور التي فيها طاعة لله تبارك وتعالى، أمَّا إذا أمر بأمر فيه معصية فلا سمع ولا طاعة.

وكون الزوج عنده مخالفات، وكونه يجبركِ على التواصل مع أهله، هذه أمور ينبغي أن تفعلي فيها ما يُرضي الله تبارك وتعالى، بصرف النظر عن تصرفات الرجل وتصرفات أهله، ونحن نُدرك أن هذا الأمر صعب، ولكن أيضًا الوصول إلى جنة الله ونيل رضوانه يحتاج إلى صبر، والجنة دائمًا حُفَّت بالمكاره وحُفَّت بالصعاب، ولذلك وأنتِ تتواصلين مع موقع شرعي نحن ندعوكِ إلى أن تقومي بما عليكِ.

وكون الرجل له مخالفات، وكون أهله عندهم معاملات سيئة، فهذا يعود إليهم، {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}، فمن حقكِ أن ترفضي الباطل، وأن ترفضي علاقاته الآثمة، وأن ترفضي كل هذه الأمور، لكن هذه لا دخل لها في الطاعات التي يأمركِ بها، يعني مثلًا مع عصيانه لو قال لكِ: صلِّي، فإنكِ تصلين، ولو قال لكِ: افعلي الخير، فإنكِ تفعلين الخير، فنحن لا نترك فعل الخير لأن الزوج عنده مخالفات أو لأن أهله سيئون.

نحن نوقن أن هذا الأمر صعب، لكننا نريد لكِ الكمال الذي هو طاعة الله تبارك وتعالى، فأنتِ تُطيعينه حيث أمر بطاعة الله، وحيث أمر بأمر فيه رضا لله تبارك وتعالى، وهذا أيضًا يكون بقدر استطاعتكِ، ولكِ أن تُخالفي إذا أمركِ بمعصية، بل يجب أن تخالفي إذا أمركِ بأمر فيه معصية لله تبارك وتعالى؛ لأنه كما أشرنا «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» سبحانه وتعالى.

وكونه يعتبركِ ناشزًا، فهذا الكلام فيه توسع؛ لكننا نريد أن نقول: الزوج أيضًا ينبغي أن يُعين زوجته على طاعته وعلى فعل الخير بحسن تعامله، بأن يكون قدوة وبأن يكون ملتزمًا، لكن مرة أخرى نذكر بأن الزوج سيذهب إلى قبره وحده، والزوجة تذهب إلى قبرها وحدها، وكلٌّ سيحاسبه الله -تبارك وتعالى- على ما قدم في هذه الحياة، فقدِّمي الخير وقومي بما عليكِ، وإذا عصى الله -تبارك وتعالى- فكلميه وذكريه بالله تبارك وتعالى، لكن هذا لا يمنعكِ من أن تفعلي الطاعات حتى لو كان هو الآمر بها.

ونسأل الله أن يُعينكِ على تجاوز هذه الصعاب، وهو أيضًا مخالف لأمر الله إذا كان الأمر -كما أشرتِ- أن له علاقات أو نحو ذلك من الأمور، وأهله يصبحون آثمين أيضًا إذا أساءوا إليكِ، ولكن الأمر كما قال النبي ﷺ لأحبابه الأنصار: «تُؤَدُّونَ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ»، وهذه وصيتنا لكِ؛ لأن إحسانكِ إلى أهله وصبركِ عليهم سيعود على العلاقة بالخير، ونسأل الله أن يجمع بينكم في الخير، وأن يرده إلى الحق ردًّا جميلًا، وأن يرد أهله أيضًا إلى ما فيه طاعة لله تبارك وتعالى، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد.

والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً