الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

انعدام الدافعية واضطراب النوم والكآبة وعلاجها

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ الدكتور/ محمد عبد العليم بعد التحية الطيبة

أنا شاب أبلغ من العمر 28 عاما، أعاني من مشكلة نفسية في الحقيقة منذ فترة طويلة جدا حوالي 12 سنة، فمنذ هذا الوقت أشعر أنني أصبحت بدون دافعية وأنام كثيرا، ولكن نومي متقطع وسطحي وغير جيد، وأستيقظ وسط الليل أو مبكرا جدا، وأنام بالنهار كثيرا للتعويض، ولكنه يكون نوما سيئا جدا، وأصبحت لا أخرج كثيرا من المنزل، لم يصبح عندي أي أصدقاء حقيقيين تقريبا، لم أعد منطلقا كما كنت، أشعر أن مزاجي سيء ومكتئب وعصبي، وأكره كل شيء!

فقدت عملي كثيرا؛ لأني لم أستطع الاستمرار فيه لعدم تأقلمي، أو بمعنى أصح لعدم التزامي بالحضور والغياب والتعليمات، فأنا دائما أتغيب بسبب أنني أسهر كثيرا وأشاهد الأفلام، وأنا للأسف مدمن، وتعودت على ممارسة العادة السرية منذ حوالي 6 سنوات، وأتأخر دائما في الصباح عن العمل، وأكون عصبيا مع الناس في العمل، ومقبوضا من داخلي، ولا أستطيع أن أتعامل مع الناس بأريحية وتقبل، وإنما أجد نفسي أرفض وأعترض وأتذمر على كل شيء، مع أنني أكون مخطئا كثيرا في ذلك حقيقة!

لم يصبح عندي رغبة قوية في العمل والكفاح في الحياة، وأجد نفسي أميل نحو الكسل والنوم ومشاهدة الأفلام التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتليفزيون، وهذا بالطبع غير طبيعي وغير جيد، وأنا لا أحب ذلك، وأشعر أنني أستسلم لهذا الشعور غير الجيد.

أشياء أخرى مثل أنني أشعر كثيرا بالدونية وعدم الثقة في النفس، والكآبة، والضيق من كل شيء، والعصبية الزائدة، وأنني لا أعرف ما أريد، وأنني تائه في هذه الحياة.

كنت مثلا أمارس الرياضة من قبل وأحبها جدا، فلم أعد كذلك للأسف! وزاد وزني، وتغير شكل جسمي، أريد أن أسافر وأعمل في الخارج في دولة متحضرة ولكنني لا أجد في الحقيقة أنني أفعل أشياء جادة من أجل أن أصل إلى ذلك، وكثيرا ما أقول لنفسي أنني أريد ن أتعلم لغات أجنبية ولكن أجد أن الأيام تمضي ولا أفعل أي شيء! وأنا لا أصلي للأسف، وأنا حزين على ذلك، وكنت مواظبا عليها دائما.

أشعر أن حياتي أصبحت بلا معنى أو اسم أو ذات هدف واضح، ولكنني أعرف أنني إنسان قوي وأحب الحياة، وأريد أن أغير العالم للأفضل ولكن الظروف والتغيرات التي طرأت على حياتي وظروف أسرتي الحياتية والمادية الصعبة أثرت على حياتي كثيراً.

أتمنى فقط أن أعود كما كنت من قبل محبا للحياة والجمال والانطلاق، وأن اجد نفسي مندفعا نحو تحقيق أهدافي وما أريد أن أحققه في هذه الدنيا.

أرجو من سيادتكم مساعدتي وتشخيص حالتي، وسرد التفاصيل، وكتابة الأدوية والتعليمات اللازمة لاتباعها للخروج من هذا المستنقع الذي أنا فيه ولا أستطيع الخروج منه وحدي حتى الآن، ولكن أنا إيماني وثقتي في الله وفيكم كبيرة -إن شاء الله- وشكرا لسيادتكم وجزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ المثابر حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

فكل السلوكيات التي ذكرتها -من ممارسة للعادة السرية، والسهر، ومشاهدة الأفلام، وعدم الصلاة- هي حقيقة نوع مما نسميه بتحطيم الذات.

الإنسان قد يلجأ لتحطيم ذاته وتدميرها، بل وتمزيقها دون أن يشعر بذلك؛ لذا فمن الناحية السلوكية المعرفية أفضل طريقة للعلاج هو أن تنبه الإنسان لهذه الحقيقة، وهي أن الإنسان يمكن أن يلجأ لتدمير ذاته بذاته، والذين يستوعبون عظمة هذه الحقيقة وضخامتها وجسامتها وغلظتها يبدأ لديهم بعد ذلك توجه جديد؛ لأن المبدأ القرآني هو الذي يسود وهو: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.

فإذن يمكن للإنسان أن يستبدل دفاعات نفسية سيئة وفاشلة بطاقات نفسية أخرى، وذلك من خلال عدم التهاون مع ذاته، وأن يضع الكوابح الواضحة، وأن يتجنب التبرير والنكران، وأن يفضح ذاته لذاته، هذه هي المبادئ السلوكية، وهي واضحة جدًّا ومبسطة جدًّا، وأنا متأكد تمامًا أنك إذا بنيت عليها سوف تصل إلى بر الأمان، سوف تجد أنك أصبحت متصالحًا مع نفسك ومع الآخرين، وأن الحياة أفضل مما تتصور، وأن طاقاتك الإيجابية نفسية واجتماعية وجسدية أصبحت تنمو وتتطور، وهكذا، لكن الإنسان إذا ترك لنفسه الانجرار نحو شيء من عدم المسؤولية وتحطيم الذات قصدًا أو عن غير قصد فلا شك أن هذا أمر ليس جيدًا.

الشعور بالاكتئاب ربما يكون سببًا أو نتيجة، بمعنى أنك في بداية الأمر تهاونت مع ذاتك، ووجدت أن الطريق قد ضاع عليك، وبعد ذلك دخلت في هذه الموجة الاكتئابية، أو ربما يكون أنه كان في الأصل لديك بوادر اكتئابية وبعد ذلك جرت نفسك إلى السلوكيات التي ذكرتها، ومن ثم دخلت في حلقة مفرغة يتبادل فيها الاكتئاب مع تحطيم الذات.

هذا هو التحليل لما تعاني منه؛ ولذا أنا أدعوك أن تتدارس وضعك بصدق وأمانة مع ذاتك، وأن تعرف أن التغيير يأتي منك، وأنت رجل في كامل عقلك ووعيك ومرتبط بالواقع، وتستطيع أن تميز بين الخير والشر، والحق والباطل، وهذه هي المنطلقات الأساسية لتبني بها حياة جديدة.

أنت طبيب وهذه مهنة محترمة لها ضوابطها المهنية والأخلاقية، ولا شك أنك مدرك لذلك، وحاول أن تطور نفسك مهنيًا وإن شاء الله تعالى هذا متاح ومتاح جدًّا.

بالنسبة للعلاج الدوائي: أنا أعتقد أنك ما دمتَ طبيبًا يمكنك أن تتواصل مع أحد الإخوة الزملاء الأطباء في المكان الذي تعمل به، ولا شك أن الجلسات السلوكية سوف تكون مفيدة كثيرًا لك، وفي ذات الوقت يمكن أن يصف لك الطبيب الدواء ويوجه الجرعات حسب ما هو مطلوب.

أما إذا كان من الصعوبة لك أن تقابل أحد الزملاء فهنا أقول لك: عقار بروزاك – والذي يعرف في مصر باسم فلوزاك – ويعرف علميًا باسم (فلوكستين) سيكون دواءً جيدًا ومفيدًا لك إن شاء الله تعالى، والجرعة المطلوبة هي كبسولة واحد في اليوم، وقوة الكبسولة هي عشرون مليجرامًا، تناولها يوميًا بانتظام بعد الأكل، وبعد شهر ارفعها إلى كبسولتين في اليوم، وهذه هي الجرعة التي أراها مناسبة في حالتك.

استمر على الأربعين مليجرامًا – أي الكبسولتين – يوميًا من البروزاك، استمر عليها بانتظام وانضباط شديد لمدة ستة أشهر، بعد ذلك اجعلها كبسولة واحدة في اليوم لمدة ستة أشهر أخرى، ثم كبسولة يومًا بعد يوم لمدة شهر، ثم توقف عن تناول الدواء، هذا الدواء دواء جيد وفاعل وبسيط وغير إدماني كما تعرف.

تغيير نمط حياتك مهم جدًّا، الصحة النومية لها ضوابطها وأنت مدرك لذلك، جُعل الليل لباسًا لأن النوم فيه بالطبع أفضل، ولا يمكن أن يعوض أبدًا من خلال النوم النهاري، وأرجو أن تضع ساعتك البيولوجية في مساراتها الصحيحة، وهذا في حد ذاته سوف يطور كثيرًا من صحتك وكفاءتك النفسية.

أسأل الله لك العافية والشفاء والتوفيق والسداد، وأشكرك على التواصل مع إسلام ويب.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً